آراء وتحليلات

مشهد سياسي جديد في تونس بعد منح الثقة لحكومة المشيشي

02/09/2020

مشهد سياسي جديد في تونس بعد منح الثقة لحكومة المشيشي

تونس - روعة قاسم

صباح الأربعاء 2 أيلول، منح البرلمان التونسي ثقته لحكومة التكنوقراط برئاسة هشام المشيشي بغالبية 134 صوتا في جلسة استثنائية كشفت عن مشهد سياسي جديد بصدد التشكل وعن تغير كبير في التحالفات والتموضعات السياسية والبرلمانية.

ولئن كانت مسارعة 134 نائبا الى منح أصواتهم للحكومة يجنب البلاد المرور الى خيار الانتخابات المبكرة مع كل ما يحمله من هواجس الفشل والتعثر بالنسبة لقطاعات حزبية عديدة، الا أن التصويت البرلماني كشف أيضًا عن حجم التغيرات الجديدة في الحكم والمعارضة على السواء. فالأحزاب أو الكتل البرلمانية التي كانت تتخندق في المعارضة انضمت الى داعمي الحكومة وصوتت لصالحها الى جانب "حركة النهضة" و"تحيا تونس" مثل حزب "قلب تونس". في حين انضمت الكتلة الديمقراطية التي كانت مشاركة في حكومة الفخفاخ الى المعارضة وقررت عدم التصويت لحكومة المشيشي الى جانب الحزب الدستوري الحر وائتلاف الكرامة.  

فاليوم هناك أغلبية تتمثل في 6 كتل برلمانية تدعم الحكومة وجعلتها تمرّ بحزام سياسي أقوى من حكومة الفخفاخ، وشملت الى جانب "حركة النهضة" و"تحيا تونس" كلا من "قلب تونس" و"الكتلة الوطنية" و"كتلة الإصلاح" و"كتلة المستقبل". ورغم تحفظ بعض هذه الكتل على عديد الأسماء في حكومة المشيشي الا أنها اختارت التصويت لها على أمل أن يقوم المشيشي لاحقًا بتعديل وزاري يرضي هذه "الأغلبية الجديدة".  

في الواقع، فان هذه الأغلبية التي تمثل اليوم الحزام السياسي لحكومة المشيشي ليست ثابتة ويمكن أن تتحول بين الفينة والأخرى الى معارضات جديدة. فالوضع التونسي في السنوات الأخيرة غلب عليه طابع عدم الاستقرار الحزبي، وبات انسلاخ بعض النواب عن كتلهم والأحزاب التي وصلوا باسمها الى البرلمان والانضمام الى كتل أخرى وأحزاب ربما تحمل رؤى مغايرة، أمرًا عاديًا. وهذا ما دفع عددًا من المسؤولين وبينهم رئيس الجمهورية الراحل الباجي قائد السبسي الى الدعوة لسنّ قانون يمنع ظاهرة "السياحة الحزبية أو البرلماينة". وان من يستقيل من كتلة يستقيل أيضًا من البرلمان ويتم تعويضه بمرشح آخر من القائمة الانتخابية التابعة للحزب نفسه. فلعبة التوازنات والمعادلات والصراعات السياسية التي تشتد وطأة في تونس تجعل من المقاعد البرلمانية الهدف الأساسي لعدد الأجندات الداخلية وذلك بكسب مقاعد جديدة بكل الوسائل المتاحة وعبر استقطاب النواب من أجل الحصول على أغلبية برلمانية تمكنّ من الحكم أو المعارضة بأريحية .

ويُحمّل عدد كبير من المتخصصين النظام السياسي نفسه سبب الأزمة السياسية التي تعاني منها البلاد وحالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي طوال السنوات الماضية. فهي أزمة هيكلية بالأساس، باعتبار ـن هذا النظام السياسي هو هجين ويجمع بين النظامين البرلماني  والرئاسي بكل تناقضاتهما. كما أن القانون الانتخابي نفسه هو محل انتقادات كبيرة من قبل الأحزاب الكبرى مثل حركة النهضة التي دعا رئيسها في أكثر من مناسبة الى ضرورة تعديله. محملًا إياه مسؤولية المجيئ ببرلمان فسيفسائي مشتت باعتباره يشجع على صعود الأحزاب الصغرى او القائمات التي لم تحصل على عدد كبير من الأصوات من خلال معادلة "أفضل البقايا". مما يصعب من إمكانية أن يحكم الحزب الذي يحصل على أغلبية الأصوات بمفرده وبالتالي يكون مسؤولًا أمام ناخبيه عن برنامجه السياسي والاقتصادي لعهدته الانتخابية. وهذا ما يفسر ظاهرة تغيّر الحكومات وعدم استقرارها وهي لا تعمر أكثر من ستة أشهر على غرار حكومة الفخفاخ.
 
ومهما يكن من أمر، فالأكيد أن تونس اليوم مقبلة على تغيرات جديدة في الحكم والمعارضة على السواء، والتحدي الأكبر أمام حكومة المشيشي هو في كيفية التعامل مع هذه التناقضات التي يتسمّ بها المشهد السياسي والبرلماني. فهي مطالبة بالتعامل مع هذا الواقع البرلماني الجديد المليئ بالتناقضات والتشتت والانقسامات من أجل تمرير مشاريع القوانين التي يتطلبها العمل الوزاري في أدق تفاصيله وقراراته وتوجهاته.

 

تونس

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات