آراء وتحليلات

صراع الارهاب في القارة السمراء

560 قراءة | 09:32

محمد محمود مرتضى

شنت "حركة الشباب المجاهدين" الصومالية خلال الأيام الماضية العديد من الهجمات في كلٍّ من كينيا والصومال؛ الأمر الذي دفع السفارة الأمريكية في العاصمة الكينية نيروبي الى اصدار تعميم بضرورة توخي رعاياها الحذر من الهجمات المحتملة لـ"حركة الشباب". ونبّه بيان السفارة إلى ضرورة توخى الحذر من الوجود في الأماكن العامة، مثل مراكز التسوق والفنادق الكبرى ودور العبادة (المساجد والكنائس).

وقد أتت التحذيرات الأمريكية، بعد أيام من الهجوم الذي شنته الحركة على مجمع فندقي وتجاري فخم، يضم عدداً من شركات متعددة الجنسيات في العاصمة الكينية نيروبي؛ وهو هجوم أدى إلى مقتل واحد وعشرين شخصًا، حيث أعلنت "حركة الشباب" مسؤوليتها عنه.

والواقع أن هذه الهجمات التي تشنها الحركة التابعة لتنظيم "القاعدة" لا يمكن فصلها عن الصراع المحتدم بين "القاعدة" و"داعش" في اطار حرب التجنيد والاستقطاب. اذ أن "حركة الشباب" تعتمد في الصومال على تجنيد عناصر جديدة لها من الدول المجاورة، بهدف حشد قدرتها لمواجهة تنظيم "داعش" الذي يعتمد هو الآخر على نفس الاستراتيجية ويعمل على ضم أفارقة من دول الجوار وللهدف ذاته، أي مواجهة "حركة الشباب".

ورغم توسّع نفوذ "حركة شباب المجاهدين" في الصومال، وقيامها بشن العديد من الهجمات على الاراضي الصومالية، الا أن اللافت كان تكثيف هجماته في البلاد المجاورة، لا سيما في مناطق يعتبر نفسه فيها أنه يخوض حرب نفوذ مع تنظيم "داعش" ويتنازع معه عليها، بهدف ايجاد مساحة يرسخ فيها وجوده.

على أن الاستقطاب لم ينحصر في الأراضي الافريقية فقد تعداه الى الاراضي الأميركية لأشخاص من أصول افريقية، حيث ذكرت وزارة "العدل" الأمريكية - في تقرير لها - إن مكتب التحقيقات الفيدرالي "إف بي أي" اعتقل ثلاثة رجال أمريكيين من أصول كينية في مطار "فورد" في "غراند رابيدز"، أحدهما كان يسعى للسفر إلى الصومال فيما الآخران ساعداه في محاولة الوصول إلى هدفه. وقد أشار التقرير إلى أن "موسى عبد القادر موسى" (المعروف باسم موسى موسى) كان يخطط للسفر من "غراند رابيدز" إلى الصومال، وذلك بهدف الانضمام إلى تنظيم "داعش".

وبحسب في تقرير الوزارة، فإن كلًّا من "محمد عبد القادر موسى" (محمد موسى)، و"محمد صلات حاجي" (حاجي) ساعدا في شراء التذكرة وقادا "موسى" إلى مطار "غراند رابيدز" مع علمهما بأهدافه.

ووجهت الوزارة إليهم تهمة توفير الدعم المادي لمنظمة إرهابية أجنبية، مؤكدة أنهم تعهدوا بالولاء إلى تنظيم "داعش" في عدة مقاطع فيديو، كما أن موسى وموسى والحاجي ناقشوا مع بعضهم البعض رغبتهم في الانضمام إلى التنظيم، وقتل من وصفوهم بغير المؤمنين.

وجاء هذا الاعتقال بعد أسبوع واحد فقط من الهجوم المعقّد في DusitD2 في نيروبي؛ حيث قُتِلَ واحد وعشرين شخصًا عندما أطلق خمسة من المهاجمين النار على أشخاص في فندق في منطقة ريفرسايد، بعد لحظات من قيام انتحاري بتفجير قنبلة قرب الفندق.

تأتي هذه التطورات في وقت يستمر القتال بين "داعش" و"حركة الشباب" في الصومال، في محاولة للسيطرة على الأراضي، في سباق محموم نحو تجنيد أكبر عدد من العناصر.

وتعتبر كينيا من الخطوط الأمامية في أفريقيا للجماعات الارهابية؛ وهي واحدة من الدول التي تتحمل وطأة الهجمات الإرهابية في إفريقيا، وتقف كينيا على خط المواجهة مع نيجيريا والصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجنوب السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى والكاميرون في محاولة لكبح جماح الإرهاب، ورغم سوء تصرف بعض الدول الافريقية.

علما أن كينيا كانت من المناطق التي ينشط فيها تنظيم "القاعدة" وقد سجل نجاحات كبيرة في بعض عملياته ضد المصالح الاميركية لا سيما ما عرف في ذلك الوقت بهجمات نيروبي (كينيا) ودار السلام (تنزانيا) الشهيرة والتي وقعت في شهر آب من العام 1998 والتي استهدفت السفارة الاميركية في البلدين.

هذا الصراع على الاستقطاب سرعان ما تحول الى حرب حقيقية بين "القاعدة" و"داعش" في الصومال حيث تدور معارك عنيفة بينهما في مرتفعات "غل غلا" في إقليم بري بولاية "بونتلاند" شمال شرق الصومال.

وكان تنظيم "داعش" قد أعلن في كانون الأول/ ديسمبر الماضي اغتيال أربعة عشر مقاتلاً من مقاتلي "حركة الشباب" المتمركزين في مرتفعات "غل غلا" فيما وتوعدت "حركة الشباب" حينها بشن حرب لا هوادة فيها على مسلحي "التنظيم" والقضاء عليهم.

تأتي محاولات "داعش" خلال العامين الماضيين للتمدد في الصومال انطلاقا من مركزها الرئيسي في مرتفعات "غل غلا" بعد اندحارها في سوريا والعراق، فيما يبدو أنها محاولة تعويضية في القارة الافريقية، إلا أن محاولاتها تواجه تحدياً كبيراً من "حركة الشباب" المنتشرة في مختلف الأقاليم الصومالية لا سيما مع رسوخ قدم "القاعدة" في القارة الافريقية، مضافاً الى ذلك أن فشل مشروع "داعش" في الخلافة أفقدها عنصر الجذب الذي كانت ترتكز عليه في عمليات الاستقطاب.

ومهما يكن من أمر، فيبدو أن القارة الافريقية مقبلة على صراعات كبيرة بين هؤلاء، لا سيما في كل من: كينيا، الصومال، نيجيريا، جمهورية الكونغو الدمقراطية، والسودان، وافريقيا الوسطى، اضافة الى مالي والنيجر.