التطبيع خيانة

خاص العهد

دعم السلع الأساسية مهدّد.. وهذا ما أبلغه سلامة للمعنيين

25/08/2020

دعم السلع الأساسية مهدّد.. وهذا ما أبلغه سلامة للمعنيين

فاطمة سلامة

قبل أيام، سُرّبت معلومات عن أنّ مصرف لبنان لا يستطيع مواصلة دعم السلع الأساسية لأكثر من ثلاثة أشهر قادمة. طبعاً، ليست المرة الأولى التي يُلوّح بها بالتوجه نحو إيقاف الدعم، إلا أنّ التدقيق قليلاً بواقع الحال الذي وصل اليه مصرف لبنان اليوم نتيجة السياسة "العوجاء" التي اتبعها على مدى سنوات، يُبيّن أنّ سياسة الدعم هذه المرة مُهدّدة فعلاً، ما يعني حُكماً ارتفاع أسعار الطحين والمحروقات والدواء وسلع أساسية أخرى مدعومة. وإن كان البعض يُبدي ملاحظات عدّة على سياسة الدعم على اعتبار أنها ليست عادلة وأنّ التجار هم المستفيدون الأوائل قبل المواطن الذي لا يصله منها سوى القليل، يبدي البعض الآخر مخاوف جمة من احتمال توقف الدعم. برأيهم، فإنّ إيقاف الدعم عن سلع أساسية كالطحين والمحروقات يعني رمي السوق أمام احتمالات صعبة، ورمي المواطن أمام سيناريوهات الغلاء الفاحش لتصبح ربطة الخبز في مهبّ السوق السوداء مع ما يحمل هذا الأمر من تداعيات واسعة. 

فهل يستطيع مصرف لبنان بموجب احتياطي العملات الأجنبية الذي يملكه مواصلة الدعم؟. 

سلامة أبلغ المعنيين وبعث برسالة الى الحكومة 

مصادر مطّلعة تؤكّد لموقع "العهد" الإخباري أنّ حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أبلغ كافة المعنيين وعلى رأسهم رئيس الجمهورية العماد ميشال عون بحقيقة وقف الدعم، وبعث برسالة الى الحكومة يؤكّد فيها أنّه عندما يصل الاحتياطي الإلزامي لدى البنك المركزي الى عتبة الـ17 مليار و500 مليون دولار، فإنّ المصرف المركزي لن يستطيع مواصلة دعم كافة السلع المدعومة حالياً والتي تتمثّل بالمشتقات النفطية، الأدوية، المستلزمات الطبية، القمح، المواد الغذائية والصناعية والزراعية. ووفق المصادر يعتبر سلامة أن كافة الأموال التي رصدت لدعم هذه السلع ستنفد خلال ثلاثة أشهر.  

وتلفت المصادر الى أنّ مصرف لبنان يملك حالياً ما يزيد عن 19 مليار دولار، ما يعطي سلامة هامش التحرك بحوالى الملياري دولار فقط. وتوضح المصادر أنّ مصرف لبنان يستنزف الاحتياطي الموجود لديه في دفع ما يقارب الـ700 مليون دولار شهرياً، ما يعني أنه وخلال ثلاثة أشهر سينفد الهامش الموجود لديه.

عكوش: مصرف لبنان يستمر بسياسة تهريب الدولار 

الخبير الاقتصادي الدكتور عماد عكوش يوضح في حديث لموقع العهد الإخباري أن لا رقم واضحاً ومحدداً فيما يتعلّق بأرقام مصرف لبنان. برأيه، هناك تقصير فيما يخص الاحصاءات، يقابله انخفاض غير مبرّر بأكمله في حجم الاحتياطي من العملات الأجنبية. وفق عكوش، من يدقّق في النقص الحاصل باحتياطي البنك المركزي مقارنةً بحجم الاستيراد يرَ أنّ هناك مبالغ غير معروفة الوجهة. يُفصّل عكوش أكثر لافتاً الى أنّ احتياطي العملات الصعبة بلغ في كانون الأول 2019 (29،406 مليار دولار)، ومن ثم سجّل في آخر أيار 2020 (24،802 مليار دولار) ما يعني أن الانخفاض الحاصل هو 4،604 مليارات دولار، بينما حركة الاستيراد والتصدير لغاية آخر شهر أيار 2020 كانت على الشكل التالي: استيراد 4،349 مليارات دولار، تصدير 1،335 مليار دولار، أي أن الفارق هو 3،014 مليارات دولار. ماذا يعني ذلك؟ يعني وفق حسابات عكوش أنّ هناك مبلغا وقدره 1،590 مليار دولار غير واضح الى أين ذهب من احتياطي مصرف لبنان خلال الخمسة أشهر الأولى من عام 2020. 

 

دعم السلع الأساسية مهدّد.. وهذا ما أبلغه سلامة للمعنيين

ويوضح عكوش أنه وبحسب نشرة مصرف لبنان الأخيرة والتي نشرت في 15 آب تبيّن أن الاحتياطي انخفض حوالى  710 ملايين دولار خلال 15 يوماً، وهو رقم كبير -بحسب عكوش-، واذا ما احتسبناه شهرياً فنحن نتحدث عن مليار و400 مليون دولار، وهو رقم ضخم ولا يتوافق مع رقم الاستيراد المعتمد. ما الأسباب وراء انخفاض الاحتياطي؟ يلفت عكوش الى أنّ هناك عدة أسباب لا تتوقّف على دعم السلع الأساسية بل تتعداها الى سياسة تهريب الدولار من قبل مصرف لبنان والتي بتقدير عكوش لا تزال مستمرة حتى اليوم. برأي عكوش، هناك أمور عدة تحصل داخل مصرف لبنان لا يعلم بها سوى الحاكم ولن يتم الكشف عنها الا اذا تمت عملية التدقيق المحاسبي والجنائي بشكل جيد للإجابة عن سؤال: الى أين يذهب الاحتياطي؟. 

ليس بمقدور مصرف لبنان الاستمرار بسياسة الدعم 

ولا يرى عكوش أنّ مصرف لبنان باستطاعته الاستمرار بسياسة الدعم كما هو الحال اليوم في ظل الانخفاض الكبير في الاحتياطي الحر من العملات الأجنبية. فمن يتابع الأرقام السنوية للاستيراد يعرف أنّ الاحتياطي يستحيل أن يتمكّن من تغطية فارق السلع المدعومة. على سبيل المثال، فإن فاتورة المحروقات كانت عام 2019 بحدود 7 مليارات دولار، الدواء 1.2 مليار دولار، الطحين 2.6 مليار دولار، ما يعني أن إجمالي الفاتورة يفوق العشرة مليارات دولار. طبعاً هذا العام لم نستورد هذه الأرقام ولكن الاحتياطي لا يمكّننا من الاستمرار في سياسة الدعم حتى ولو انخفضت نسبة الاستيراد خصوصاً مع إدراج السلة الغذائية الأساسية على لائحة الدعم. 

ما الحل إذاً؟ يُكرّر عكوش إشارته الى أنّ مصرف لبنان لن يتمكّن من الاستمرار بسياسة الدعم خاصة أن الاحتياطي يسير باتجاه الانخفاض. وفق عكوش، هناك عاملان يؤثران على حجم الاحتياطي من العملات الأجنبية. الأول، يتمثّل بسياسة تهريب الدولار من قبل مصرف لبنان، والثاني بارتفاع الكتلة النقدية التي تزيد شهرياً حوالى 2.8 مليار دولار. هذا الارتفاع معروف الأسباب -وفق عكوش- لا سيما أن الناس تسحب ودائعها من المصارف ولا تعيدها اليها، فضلاً عن العجز في خزينة الدولة ما يضطر مصرف لبنان الى طبع العملة الوطنية لدفع الرواتب والتعويضات. ويوضح عكوش أنه كلما زادت الكتلة النقدية -بحسب المادة 69 من قانون "النقد والتسليف"- من المفترض أن يزيد الاحتياطي الإلزامي من العملات الصعبة في مصرف لبنان.

سياسة دعم السلع الأساسية هي سياسة خاطئة والحل في دعم العائلات مباشرةً 

وبحسب قراءة عكوش، فإنّ سياسة دعم السلع هي سياسة خاطئة أدت الى التهريب والاحتكار خاصةً أنّ المواطن هو آخر من يستفيد. برأي المتحدث، فإنّ الحل هو بالذهاب نحو دعم العائلات بشكل مباشر عبر قسائم سواء للبنزين أو أي سلعة أخرى. اذا أردنا أن نبني اقتصادا فعالا -يقول عكوش- يجب أن نلغي كافة أشكال الدعم عن السلع ونذهب الى دعم العائلات مباشرةً لأنّ عملية الدعم تقتل الاقتصاد خصوصاً أن دعم السلع المستوردة من الخارج يقضي على الانتاج المحلي، بينما المطلوب تشجيع المواطن لخلق بديل عن السلع المستوردة في الاقتصاد الوطني. يقدّم عكوش دعم البنزين كمثال، وفق حساباته، فإنّ العائلات الفقيرة لم تستفد منه سوى بنسبة ضيئلة جداً مقارنةً بالطبقات الغنية والتي تملك سيارات بالجملة داخل البيت الواحد. العدالة الاجتماعية -برأي عكوش- تتمثّل في أن نعطي الفقير كما الغني وهذا ما لم يتم في السياسة المتّبعة، يختم الخبير الاقتصادي.

لبنانرياض سلامةمصرف لبنان

إقرأ المزيد في: خاص العهد

التغطية الإخبارية
مقالات مرتبطة