آراء وتحليلات

بعد انجلاء دخان انفجار بيروت: على ماذا يراهنون؟

13/08/2020

بعد انجلاء دخان انفجار بيروت: على ماذا يراهنون؟

إيهاب شوقي

انفجار بيروت المؤسف والذي لم تكشف التحقيقات بعد تفاصيله، كشف مواطن خلل واستثمار سياسي يشي بأن الاطراف التي قامت بهذا الاستثمار كانت تنتظر حدثًا أو كارثة لتمارس دورها الفتنوي، ولا نستطيع استباق نتائج التحقيقات لنتهم أطرافًا بالتورط في صناعة الحدث، ولكن جريمة استغلال كارثة وطنية تكاد تعادل جريمة ارتكابها.

ومما كشفه الانفجار أن هناك تراكمات سياسية تنتظر صاعقًا أو مفجرًا لتعصف باستقرار البلاد وتخلق الأزمات والكوارث، على غرار الكتاب الشهير للكاتبة اليسارية الكندية ناعومي كلاين (عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث)، والتي شرحت فيه أن مذهب رأسمالية الكوارث يقوم على استغلال كارثة، سواء كانت انقلاباً، أم هجوماً إرهابيًا، أم انهياراً للسوق، أم حرباً، أم تسونامي، أم إعصارا، من أجل تمرير سياسات اقتصادية واجتماعية يرفضها السكان في الحالة الطبيعية.

ما يحدث في لبنان بعد الصدمة والكارثة من ممارسات فتنوية، هو بهدف تمرير توجهات ترفضها الدولة اللبنانية ويرفضها سواد اللبنانيين، وتتعلق بأمن العدو الاسرائيلي.

الحصار على لبنان وتأمين الظروف المناسبة للانهيار الاقتصادي، ليس لسبب الا دفعه للانخراط في محور التبعية والمهادنة والتطبيع مع العدو الاسرائيلي، وقطع الطريق على التوجه شرقا والانفصال عن محور المقاومة.

الغرب وامريكا غير معنيين بالفساد فهم يحتضنون أنظمة فاسدة، بل يساندون حركات ارهابية وفاسدة وتشكيلات عصابية بغرض تمكينهم من الحكم في بلدان عديدة، وانما معنيون باستقرار مصالحهم، وفي بلد كلبنان يضاف الامن الاسرائيلي الى أجندة هذه المصالح.

وبالتالي فكما تستغل الكوارث لتمرير السياسات النيوليبرالية، فهي تستغل ايضًا لمحاولة خلق أوضاع سياسية تعذّر ايجادها في الحالة الطبيعية التي سبقت الكارثة.

وهنا على الشعوب الانتباه وعدم الانجرار العاطفي بحكم الكارثة أو صعوبة المعيشة الى اطروحات تؤدي الى كوارث اكبر واكثر خطورة.
فالكارثة تعالج بالوحدة لا بالفوضى، والخروج من حالة الحصار يكون بالمواجهة لمن يفرض الحصار لا بالرضوخ له، ومحاربة الفساد تكون بالتعاون على خلق بيئة مقاومة للفساد وتدشين وضع قانوني وتشريعي لمواجهته وبالالتفاف حول الشرفاء ممن لم يثبت تورطهم، لا برفع الشعار انتقائيا لتصفية الحسابات السياسية، وترك الاوضاع مهيأة لتنبت طبقات فاسدة جديدة.

لبنان الآن أصبح "لوحة تنشين" لمشروعات متباينة، يريد الأتراك الدخول لخدمة أهداف جيو - استراتيجية متعلقة بالبحر المتوسط وخطوط الغاز، ومنافسة فرنسية مع الاتراك تصل للخصومة في جبهات متعددة ربما يضاف لبنان اليها، وخليج فاشل متراجع كانت له مصالح في المرفأ وفي المشهد السياسي وكلها لخدمة العدو، ومع فشله يريد تصفية حساباته مع المقاومة، وامبراطورية امريكية متراجعة يقودها أحمق يريد تحقيق اي انجاز قبل انتخابات الرئاسة، ولا يرى فيها الا دولة مواجهة مع "اسرائيل" ينبغي كسر معادلة الردع فيها.

وللأسف، هناك محيط عربي بعضه متواطئ وبعضه ضعيف يشكل صدى لأصوات أخرى اقليمية ودولية.
ومما يساعد على جعل لبنان فريسة سهلة بنظر هؤلاء، هو حالة الجبهة الداخلية والجراح المتتالية التي خلقها الحصار ثم الانفجار، والتي لولا صبر المقاومة وحكمتها، وثباتها واصرارها على عدم الانجرار للفتن، لكانت التدخلات الخارجية اتخذت شكلًا آخر أكثر جرأة وشراسة باعتبارها دولة فاشلة أو دولة تمر بحرب أهلية مما يسمح بتدخل استعماري يرفع شعار الانقاذ!

سلامة الجبهة الداخلية كانت معركة من معارك المقاومة خاضتها بصبر وحلم وحنكة، ولا زالت تخوضها رغم كل السهام والانتقادات وسوء الظن أحيانًا الذي رافق هذه المعركة.

ومعركة البناء ايضًا هي معركة المقاومة، حيث لا تقف عائقًا أمام أي مساعدة أو فرصة لكسر الحصار أو فائدة تعود على الشعب، طالما لم تمس الثوابت.

إن الرهان على الكارثة أمريكيًا وغربيًا قد ينجح على مستوى اعادة الاعمار أو تبديل وجوه تابعة لهم أو التوصل لحلول تساعد على استقرار بعض مصالحهم، ولكن الرهان على شيء يخص الثوابت ومعادلات الردع وقواعد الاشتباك او سلاح المقاومة هو محض وهم لا داعي لاضاعة الوقت والجهد لتجريبه.

بيروت الكبرى

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات