آراء وتحليلات

لبنان اليوم وقبل مائة عام: تسعير الحرب على الناس

04/08/2020

لبنان اليوم وقبل مائة عام: تسعير الحرب على الناس

عبير بسام

في محاولة لفهم الدور الفرنسي بعد المؤتمر الصحفي للسيد جان ايف لودريان، وزير الشؤون الخارجية الفرنسي، الذي جمعه مع وزير الخارجية اللبناني السابق ناصيف حتي في 23 تموز/ يوليو 2020، يجب النظر إلى المؤتمر من جانبين هامين: الأول: يتعلق بتوزيع الأدوار ما بين فرنسا وأمريكا في لبنان، والثاني، عبر ما حمله المؤتمر من رسائل حقنت السم في العسل. سم نقرأه في تاريخ الدور الفرنسي في لبنان والمنطقة منذ نهاية القرن التاسع عشر. والذي حمل مع نهاية الحرب العالمية الأولى وبداية القرن العشرين الجوع والقهر، ثم التقسيم والاحتلال للوطن العربي من محيطه إلى الخليج.  
 
كرس المؤتمر الصحفي، الذي لم يخرج عن السياسة التي اعتمدتها القوى الأوروبية الاستعمارية منذ مطلع القرن العشرين في حربها على الشعب العربي، مقولة "إن التاريخ يعيد نفسه". وجاء معتمداً على عاملين أساسيين، الأول: التجويع، والثاني: الترهيب والترغيب. وكان تقسيم الدول العربية بحدّ ذاته هدفاً استعمارياً وما يزال، ويهدف إلى حماية مصالح الغرب وخاصة مصالح بريطانيا القوية آنذاك، والتي أرادت السيطرة على الثروات الباطنية للمنطقة والطريق التجاري الهام ما بين الشرق والغرب. والتغيير الوحيد الذي طرأ على هذه السياسة منذ الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، هو انتقال السلطة البريطانية لتصبح في عهدة الأميركي، وما فتئت القواسم مشتركة والهدف نفسه، التقسيم والسيطرة على الشرق العربي: مفتاح القوة في وجه العالم بأسره، يدار عبر حرب شعواء على الناس من خلال تجويعهم وتغريبهم وتقسيمهم وانهاكهم حتى الاستسلام.

ابتدأت الثورة العربية في العام 1916، مخالفة الرغبة البريطانية في مكتبي القاهرة ودلهي، اللذين كانا يديران شؤون المستعمرات البريطانية في العالم. تلقفت بريطانيا إعلان الثورة بذكاء، فلعب البريطانيون سياسة الترغيب، من خلال إظهار دعم الثورة، فأرسلت عميلها تي دي لورانس ليشرف عليها بما يخدم مصالح الدولة العظمى. قدم "لورانس العرب" نفسه كصديق داعم للشعب العربي في ثورتهم ضد العثمانيين. ولكن ما إن استطاع العرب اعلان استقلالهم عن  العثمانيين ورفع العلم العربي على الدوائر الحكومية في دمشق وبيروت وطرابلس والنبطية وصيدا، ومع نهاية الحرب العالمية الأولى حتى انقض الفرنسيون على بيروت في العام 1918، ومن هناك ساروا إلى دمشق في العام 1920.

أدار الفرنسيون داخل لبنان سياسة الترهيب عبر تعزيز الخلافات الطائفية في الجنوب من أجل القضاء على ثورة صادق حمزة ورفاقه والتخلص منه في الأردن والتخلص من أدهم خنجر حليف سلطان باشا الأطرش في سوريا في ثورة 1920 ورميه من الطائرة بعد شنقه، تماماً كما فعل الإيطاليون بعمر المختار، في محاولة ترهيب المقاومين والمعادين للاستعمار الفرنسي للبنان. في حين كان اللعب عبر سياسة الترغيب ودعم الكنيسة البطريركية في بناء وطن مسيحي في لبنان.

قدم الفرنسيون أنفسهم كمخلصين من خلال الإرساليات التي أنشئت في المناطق المسيحية، والتي هدّها الجوع في العام 1914. بحلول العام 1918، أصبح جزء من لبنان لقمة سائغة ومنهكة نسيت من فَرضَ الحصار عليها، ولم يكن منها إلّا أن استقبلت الفاتحين من الفرنسيين، ضمن خطة سياسية موضوعة بموجب اتفاقية سايكس بيكو في العام 1915، وابتدأ عهد تقسيم سوريا ولبنان. والغريب أن قسمًا من الحقيقة أسقط من التاريخ: وهو أن لبنان بمسيحييه ومسلميه عانى الجوع من حصار الحلفاء لساحل سوريا من لواء اسكندرون وحتى حيفا. لكن أحداً لم يقرأ أن من جَوَّع لبنان هو من قاد الحصار عليه، حيث منعت بواخر الطحين من الرسو في ميناء بيروت مما رفع سعره، ومنعت الحوالات المالية القادمة من دول الاغتراب من الوصول إلى أصحابها.
 
سياسة التجويع قديمة قدم تاريخ الحروب الإنسانية، وتأتي في سياق مخطط لانهاك الناس وفرض السيطرة مما يسهل احتلال البلد. غير أن الإرساليات التي عادت لتنشط مع دخول الفرنسيين، أوحت للبعض أن فرنسا خشبة خلاص لبنان، ومن هنا اتى مفهوم فرنسا "الأم الحنون" التي احتضنت عبر إرسالياتها البعض وتركت البعض الآخر بحسب مصالحها.

ومنذ شهر تقريباً بلغ عمر لبنان عامه المائة، وما يحدث فيه  اليوم لا يختلف كثيراً عما حدث قبل قرن مضى. حصار وتجويع وجائحة عالمية تفتك بالبشر، والهدف ذاته، تطويع الناس للقبول بفرض إرادة الدول الإاستعمارية عليها! فيما تلعب الولايات دور الشرطي الشرير، أو لعبة الترهيب، من خلال الحصار المفروض على الدولار وفرض قانون قيصر لمحاصرة لبنان عبر منفسه الشرقي؛ جاءت فرنسا لتلعب دور الشرطي الجيد، أو الترغيب، لتقدم نفسها كمخلص، كما فعلت في بداية القرن الماضي. فقد حمل لو دوريان معه الحل لرواد المدارس الفرنكفونية وأهلها، فاللغة ثقافة، ومن يفرض ثقافته يحكم من خلالها وهذا هو الهدف الأخطر. ورواد الفرانكفونية اليوم من مختلف الفئات والمشارب والطوائف، وهذا ما أكد عليه الوزير الفرنسي، في تصريحه حول دعم المدارس الفرانكفونية والكاثوليكية وتخصيص التمويل الطارئ لها مما يعني أن فرنسا تستهدف جمهوراً ذا نطاق أوسع! لأن محاربة الوعي في القرن الواحد والعشرين تختلف عن محاربته في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بسبب اتساع نطاق التقنيات وبالتالي المعرفة والوعي الثقافي. وفي الحقيقة إن تداعيات مؤتمر لو دوريان ما تزال تحمل في طياتها الأخطار على الشعب اللبناني ولن تكون استقالة الوزير حتي إلا البداية.

حملت كلمات لو دوريان التلويح بالشروط التعجيزية لتقديم المساعدات، باشتراط القيام بإصلاحات، ولكن حتى اليوم لم يُصرح عن ماهية هذه الإصلاحات، والتي تتعلق بحسب ما خبره العالم في دول أخرى استعانت بالبنك الدولي، بخصخصة القطاع العام، وإطلاق يد المصارف والشركات الإحتكارية، وزيادة الضرائب، ورفع الدعم عن السلع الغذائية وغيرها من "الإصلاحات" التي لا يمكن للناس تحمل نتائجها، والتي ستعمق الفجوة ما بين القلة الغنية والأكثرية الجائعة. وتتعلق الإصلاحات بالمطالب الإسرائيلية المطلوبة أميركياً وأوروبياً، ألا وهي تجريد حزب الله من صواريخه الدقيقة! وأما جهة صرف هذه الأموال فستذهب مساعدات للعائلات الفقيرة، ومساعدات لكذا ومساعدات لكذا.. مما يرفع حجم الدين الذي يمكن دفعه في المراحل القادمة عبر تخصيص غاز لبنان وثرواته الباطنية قبل أن ترى النور. فالمطلوب الدفع باتجاه الحصار، ووضع الناس ما بين خيارين إما الجوع وإما تنفيذ شروط الأجندة الغربية.

أتت زيارة لو دوريان، ومن قبيل التوقيت لا الصدفة، بعد اعادة رفع شعار "الحياد"، شعار جُوبِه باستنكار ملطف من قبل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس الوزراء حسان دياب، والذي اتهم لو دوريان بالجهل، لأنه غير مطلع على الإصلاحات وخاصة تلك التي تتعلق بالفساد، التي تمت خلال عمر الحكومة القصير. كما طالب الفرنسي لبنان مساعدته عملاً بالقول الفرنسي: "يساعد الرب من يساعدون أنفسهم"، ولكن لبنان إذا أراد أن يتجنب أخطاء بدايات القرن العشرين، ويتجنب الحرب على الناس من خلال تجويعهم لصالح فرض الإرادة الغربية، فعليه أن يلتزم بالآية الكريمة: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". ولربما حان الوقت ليغير اللبناني ويبدأ فعلياً بالتغيير والتوجه شرقاً، لأن الغرب لا أمل يرجى منه.

فرنسا

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات