بيروت

خاص العهد

مصروفو الجامعة الأميركية يتحرّكون..ووزيرة العمل لـ"العهد": للأسف لا صلاحية لدينا لمنع الصرف

20/07/2020

مصروفو الجامعة الأميركية يتحرّكون..ووزيرة العمل لـ"العهد": للأسف لا صلاحية لدينا لمنع الصرف

فاطمة سلامة

ليس سهلاً أن ينام المواطن موظّفاً ويستيقظ عاطلاً عن العمل في بلد بالكاد يجد فيه العامل كفاف يومه. وللأسف، هذا ما حصل فعلاً مع آلاف العمال في لبنان الذين وجدوا أنفسهم منذ بداية الأزمة الاقتصادية الخانقة أمام موجة "صرف تعسفي" غير مسبوقة، لعل أكبرها وأحدثها ما شهدته الجامعة الأميركية في بيروت قبل أيام، حيث عمدت الى صرف مئات العمال. أولئك تُركوا لمصيرهم بعد سنوات قضوها في خدمة هذه الجامعة، والقصص في هذا الصدد كثيرة، منها ما ترويه والدة إحدى الفتيات المصروفات، والتي تؤكّد أن ابنتها  تخرّجت من الجامعة اللبنانية كلية العلوم وتوظَّفت بكفاءتها منذ أكثر من سنتين في صيدلية الجامعة الأميركية في قسم الكيميائي. وبحسب الأم تحمّلت الفتاة ظروف العمل مع ما يحمله من مخاطر على صحتها، ورغم أنّ الراتب الذي لا يُغطي نفقاتها الخاصة من المُفتَرض أن تقبضه بالدولار لكنها كانت تقبضه بالعملة اللبنانية. وتستغرب الأم صرف ابنتها مع العشرات من الموظفين الذين ينتمي أغلبهم (كما تقول) إلى طائفة محددة وذلك من دون سابق إنذار بحجة الضائقة الاقتصادية، رغم أنَّ إدارة المستشفى قد تلقت مؤخراً دعما مادياً يجب أن يثنيها عن خطوة الصرف -اذا ما كانت الذريعة المادية صحيحة-، وهي الخطوة التي لا يستبعد مراقبون أن تكون في خانة سياسة الإفقار والتجويع التي تتبعها الولايات المتحدة الأميركية في لبنان، أو أن تكون نتيجة حتمية للضغوط والعدوان الاقتصادي الذي تمارسه واشنطن بحق لبنان. 

إزاء هذا الواقع، تبرز العديد من التساؤلات حول دور وزارة العمل حيال ظاهرة الصرف خصوصاً بعدما تفاقمت، كما تبرز العديد من التساؤلات حيال مصير العمال المصروفين في بلد يتنفّس أزمات، ووجهة النظر القانونية حيال تصرف الجامعة اللامسؤول والذي وصفه البعض بـ"المجزرة". 

الدويهي: وزارة العمل تضغط قدر الإمكان كي لا يحصل صرف العمال

وزيرة العمل لميا يمين الدويهي توضح في حديث لموقع "العهد" الإخباري أنّ وزارة العمل تضغط قدر الإمكان كي لا يحصل صرف العمال، ولكن لا صلاحية لديها لمنع الصرف. وتشدّد على أنّ ما حصل من صرف للعمال في الجامعة الأميركية هو أمر مؤسف جداً، خصوصاً أننا شهدنا صرفاً لعدد كبير من العمال دفعة واحدة، وبعضهم يعمل في الجامعة منذ حوالى العشرين عاماً. وتؤكّد الدويهي أنّ ملف "صرف العمال" من أصعب الملفات التي تتابعها الوزارة بشكل يومي اذ تمثل أمامنا يومياً طلبات صرف وشكاوى بالجملة، وهذا الأمر متوقّع من وجهة نظر الدويهي خصوصاً في ظل الأزمة الاقتصادية وجائحة "كورونا" التي تأثر بها العالم وكانت سبباً لارتفاع نسب البطالة، مع الإشارة الى أنّ لبنان يتأثر أكثر من غيره في ظل غياب نظام الحماية الاجتماعية وضمان البطالة ما يُلقي -بحسب الدويهي- بعبء إضافي على المواطنين. 

 

مصروفو الجامعة الأميركية يتحرّكون..ووزيرة العمل لـ"العهد": للأسف لا صلاحية لدينا لمنع الصرف

وترى الدويهي أنّ القلق الذي يعيشه الكثير من العمال اللبنانيين -وليس فقط موظفي الجامعة المصروفين- محزن جداً وصعب جداً، وهذا ما يدعونا الى المناداة بضرورة التضامن الاجتماعي خاصة أنّ الرواتب لم تعد لها قيمة اليوم في ظل ارتفاع سعر صرف الدولار. هذا الواقع يدعونا الى الدعوة للحوار بعيداً عن قرار الصرف، فمن يخسر فرصة عمله في هذه الظروف الصعبة لن يجد فرصة أخرى. لكن الدويهي وفي معرض حديثها تشير الى أنّ الجامعة الأميركية أعطت تعويضات مالية للمصروفين وستؤمّن نوعا من الحماية الصحية، والتقديمات التعليمية لهم. لا أقول ذلك لأبرّر خطوة الصرف -تقول الدويهي- لكننا حريصون كوزارة على حقوق العمال ومستقبلهم وطلبنا من الجامعة الأميركية التقدم بطلب للتشاور للتأكد من وصول التعويضات الى أصحابها. 

وتوضح وزيرة العمل أنّ القيمين على الجامعة الأميركية أبلغونا في أول اجتماع أنهم سيقومون بصرف 1200 عامل، فقلنا لهم إن الرقم كبير جداً ويجب تخفيضه. وبحسب الدويهي فقد كانت حجّة الجامعة أن عدد الموظفين كبير جداً بالنسبة للأسرّة، واذا ما أرادوا مقارنته بعدد الأسرة في مستشفيات أخرى فإن عدد الموظفين يبلغ ثلاثة أضعاف. كما كانت ذريعتهم أن العدد الكبير جاء نتيجة التوظيف العشوائي الذي شهدته الجامعة.

ماذا عن خطوات الوزارة؟

هل من خطوات ستقوم بها وزارة العمل لمساندة المصروفين؟ تجيب الدويهي عن هذا السؤال بالإشارة الى أنّ نظام الحماية الاجتماعية غير موجود، ونظام البطالة غير موجود أيضاً. هذان النظامان -بحسب وزيرة العمل- كان من الممكن أن يؤمنا الدعم للمصروفين، لكنهما للأسف غير موجودين ولا نستطيع القيام بأكثر مما نقوم به اليوم. وتلفت الدويهي الى أننا في الوزارة انطلقنا بمشروع الحماية ضمن الضمان الاجتماعي، وجرى تعيين خبراء مع منظمة العمل الدولية لتقديم هذا المشروع الذي يحتاج الى دراسة لا تقل عن ستة أشهر. وفق حسابات الدويهي، فإنّ هذا المشروع على المدى البعيد سيؤمّن نوعاً من الضمانة لأي حالة من حالات الصرف.

وتلفت وزيرة العمل الى أنّ قضية الصرف تكاد تكون من أصعب الأزمات، خاصة في ظل الأعداد الكبيرة للمصروفين الموجودة في حوزة الوزارة أو لدى مجالس العمل التحكيمية، أو حتى الأرقام التي تصلنا من الضمان الاجتماعي. وفق الدويهي فإنّ عدد المصروفين من العمل -بحسب أرقام الضمان الاجتماعي- بلغت منذ تشرين الأول حتى اليوم بحدود الـ35 ألف شخص وهو رقم كبير تقول الدويهي التي تُشدّد على أنّ وزارة العمل تحرص قدر الإمكان على التخفيف من حدة الصرف وهي في سبيل ذلك تدعو الشركات لتقديم طلب تشاور بدل الشكاوى لأننا نعلم أن الشكاوى عندما تذهب الى مجالس العمل التحكيمية تأخذ الكثير من الوقت، وفي نهاية المطاف لا يصل للمواطن حقه. 

ورداً على سؤال حول تصورات الحكومة للمرحلة المقبلة خاصة أنّ هناك مخاوف من موجة صرف تعسفي قد يشهدها القطاع الخاص في الأشهر القادمة، تؤكّد الدويهي أنّ ملف الصرف ليس من مهمة وزارة العمل فقط، بل يتطلّب نظرة حكومية شاملة. وتوضح في هذا السياق أن وزارة العمل تقوم اليوم بحملة تفتيش على الأرض للتأكد من قضية منافسة اليد العاملة الأجنبية للبنانيين. نحن حريصون على حماية اليد العاملة اللبنانية، ولكنّ تحريك العجلة الاقتصادية هو الوحيد الكفيل بإيجاد فرص عمل أو على الأقل منع الصرف التعسفي خصوصاً أننا نمر بظرف استثنائي ينعكس على كل شيء وأدى الى إقفال عدد كبير من المؤسسات. 

وفي الختام، تُشدّد الدويهي على أننا نقف الى جانب العمال بدون أي تردد، ونقاتل لأجلهم، وتتمنى أن لا نشهد المزيد من عمليات الصرف، مؤكّدة في المقابل أننا بحاجة الى تضامن اجتماعي بين أصحاب العمل والعمال لأن الاستمرارية بالعمل أساسية لأجل الأمن الاجتماعي رغم أن الراتب لم يعد يساوي شيئاً وسط غلاء المعيشة.

عبد الله: ما حصل مجزرة تقع ضمن سياسة الضغط الأميركية

رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين كاسترو عبد الله يؤكّد في حديث لموقعنا أنّ صرف ما بين 850 الى ألف موظف من الجامعة الأميركية هو صرف تعسفي غير مقبول. وفق حساباته، فإنّ هؤلاء يشكّلون جزءاً من الدورة الاقتصادية ويعيل كل شخص منهم ثلاثة أو أربعة أفراد، أي ان عملية الصرف تشكّل مجزرة بحق ما يقارب الستة آلاف شخص. ويرى عبد الله أنّ استسهال الأمور بالموافقة على الصرف مستهجن، ولا يمكن التعاطي مع هذه القضية على أنها صرف عادي خصوصاً أنّ الجامعة الأميركية في بيروت هي مؤسسة لا تعاني من أزمة اقتصادية ولا تعثر، بل لها ديون على الدولة وتأتيها مساعدات، آخرها كان الشهر الماضي حيث وصل الى ميزانيتها دعم بقيمة 10 ملايين دولار. 

 

مصروفو الجامعة الأميركية يتحرّكون..ووزيرة العمل لـ"العهد": للأسف لا صلاحية لدينا لمنع الصرف

ويشدّد عبد الله على أنّ من لديه تعثر مالي لا يترك أصحاب الرواتب الخيالية، والتي تتجاوز مئات الألوف من الدولارات سنوياً، في وظائفهم، ويطرد الضعفاء وأصحاب الوظائف الهشة الذين يتقاضون شهرياً 750 الف الى مليون ليرة من عاملين بالصيانة والتنظيفات وغيرهم. ويرى عبد الله أن الهدف من هذا الصرف التعسفي هو ضرب الاستقرار والامن الاقتصادي والاجتماعي  لهؤلاء الناس، خصوصاً أنهم عمال كان لديهم استقرار وظيفي في مؤسسة من المفترض أنها لا تفلس وقبلوا بالرواتب القليلة مقابل التقديمات الصحية والتعليمية. 

ويضع المتحدّث ما حصل في الخانة السياسية وضمن سياسة الضغط الأميركية، فهؤلاء فقراء وليسوا نخباً، وأغلبهم يعانون من أمراض سرطانية ومزمنة. ووفق عبد الله، يسعى البعض للاستفادة من الوضع السيئ لزيادة الطين بلة، خصوصاً أن هذه الجامعة لا تزال تطلب موظفين على موقعها الالكتروني. 

ويوضح عبد الله أننا لن نسكت أمام المجزرة التي حصلت وقد بادرنا منذ الأمس ودعونا الى اجتماع، وشكلنا لجنة متابعة من الموظفين المصروفين مع الاتحاد وغداً دعونا مجموعة من المحامين والمتطوعين للتفكير بتقديم شكاوى أمام وزارة العمل ومنظمة العمل الدولية ولجنة حقوق الانسان لأن هذا التصرف غير انساني، لا بل يشكّل مجرزة بشرية سنرفع حيالها الصوت أمام الهيئات الرسمية والدولية في لبنان، فهذه الحادثة اذا مرّت مرور الكرام قد تفتح عيون مستشفيات ومؤسسات أخرى على الصرف، خاصة أنّ عدد فاقدي الوظيفة في لبنان تجاوز الـ600 الى 700 الف، ومن المرجح أن يصل نهاية العام الى المليون أي ثلث الشعب اللبناني، يختم عبد الله. 

الموسوي: الجامعة خرقت المواثيق الدولية وقانون العمل 

على الصعيد القانوني، يلفت المحامي أشرف الموسوي -أحد الفاعلين في القضية- في حديث لموقعنا الى أنّ إدارة الجامعة الأميركية خرقت المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الانسان والنصوص التي تتحدث عنها منظمة العمل الدولية والمادة 50 من قانون العمل، لأنها -بحسب الموسوي- لم تضع معايير موحّدة لكيفية الصرف، ولم تقل إنها بحالة تعثر مالي بل رأينا أن هناك  عمالا ومستخدمين صرفوا خارج نطاق المعايير المعتمدة، فهناك موظفون يتقاضون الحد الأدنى للأجور 750 ألف ليرة والأقصى مليونا ليرة، ومقابلهم رؤساء أقسام ومديرون يتقاضون 50 الف دولار كحد أدنى للأجور و 396 الف دولار كحد أقصى، وهذه الرواتب العالية لم يطبق عليها القوة القاهرة والظروف الاقتصادية الصعبة. 

 

مصروفو الجامعة الأميركية يتحرّكون..ووزيرة العمل لـ"العهد": للأسف لا صلاحية لدينا لمنع الصرف

وبحسب الموسوي، فإن على التفتيش والجهاز الرقابي في وزارة العمل أن يمارس دوره لجهة التدقيق بحسابات الجامعة وما اذا كان ينطبق عليها القوة القاهرة والوضع النقدي والاقتصادي الصعب. ويوضح الموسوي أننا بصدد القيام بتجمع يوم غد لأننا نخشى صرف المزيد من العمال، وهذا الأمر قد يصبح مؤشرا لمستشفيات ومؤسسات أخرى خصوصاً أن عدد المصروفين غير قليل ويناهز الألف.
 
هل من الممكن أن يتم الوصول الى نتيجة في هذا الملف؟ يوضح الموسوي أننا حالياً في مرحلة تفاوض غير مباشر مع ادارة الجامعة وننادي بخطوات تكون منصفة للجميع وبأن يصار بالحد الأدنى الى تقليل الدوامات ومعها الرواتب للحفاظ على استمرارية حياة هؤلاء الموظفين الذين خسروا الحوافز الطبية والتعليمية.

 

إقرأ المزيد في: خاص العهد