زمن النصر

نقاط على الحروف

مدرسة تمّوز

16/07/2020

مدرسة تمّوز

أمير قاروط

لا شكّ أن ما حصل في تاريخ المقاومة، استثنائي بكل المعايير، إلّا أن حرب تموز ٢٠٠٦، كانت الأبرز، منذ ١٩٨٣.

لطالما كان صراعنا مع العدو الإسرائيلي، شائِك، يتطلب قدرة عالية من الرؤية والتخطيط، لحساسيته ولالتزام هذه المقاومة باعتبارات عديدة، في المواجهة مع الصهاينة، كـ عدم التعرض للمدنيين العُزَّل، أو الوقوع بخطأ يحُسب عليها هُنا أو هُناك، ولطبيعة تكوين البلد "لبنان" ووجود علاقة "صداقة" بين بعض اللبنانيين والصهاينة، والتي تُحَتِّم على قيادة المقاومة صرف النظر عن أمور يمكن أن يأخذها البعض ذريعة لافتعال ما لا تُحمَد عُقباه، طبعًا مع الاحتفاظ بالمبادئ والخطوط الحمراء التي نؤمِن بها.

تجربة تموز كانت غنيّة على الصعيد الإعلامي، من جهة تحفيز البيئة وجمهور المقاومة، ومن جهة أُخرى وهي الأهمّ، الحرب النفسية على العدو الصهيوني، والتي كانت "عامود الخيمة" في المواجهة يومها.

الإسرائيلي يعلم أن وجود شخص كالسيد الأمين، يشكل له نقطة ضعف مستمرة، ونقطة قوة للمقاومة تزداد يومًا بعد يوم، لأسباب وقوانين عديدة منها المادي وأهمهّا الإلهي، لذلك، كان الهدف الأول والأساسي للعدو الإسرائيلي في تموز، هو التغلب على نقطة القوة للمقاومة، أيّ لا سمح الله تغييب السيد المؤتمن من أول أيام العدوان، لكن {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ‏}.

الضربة الأولى التي تلقاها الصهاينة، بعد دقائق خلّة وردة الـ ٦، كانت ظهور الأمين المؤتمن من خلال مؤتمر صحفي مباشر، من الضاحية الجنوبية، حيث رسم يومها قواعد للإشتباك، والعدوان المُحتَمَل، وأعطى نتيجة وحُكم مُسبَق للعام بأسرِه، بأن عودة الأسيرَين تتحققّ بمفاوضات غير مباشرة، ومن يعتقد غير ذلك فهو واهِم واهِم واهِم حتى ينقطع النفس. يومها علِم الإسرائيلي أن حربه الكونية على لبنان، لن تحقّق له سوى الخيبة والذلّ وبعض الصُّور التي ستبقى وصمة عار على جبينه إلى الأبد.

الضربة الثانية، لم يتوقعها بهذه السرعة، تحديدًا بعد ٤٨ ساعة من بداية العدوان، وباتصال مباشر عبر القناة الرسمية، أطل الأمين العام، بخطاب أقل ما يقال عنه "تاريخي" متحدثًا مع أهلِه، والمجاهـدين، والعرب والصهاينة، خطاب كان عبارة عن نورٌ لِمن اهتدى، ونارٌ تُحرِق البارجة مقابل بيروت، وقاعدة ما بعد ما بعد حيفا، و"فالتتغيّر إذًا قواعد اللّعبة"..

بالتزامن، وعلى عكس تقديرات الإسرائيلي، بأن همجيّته وقصفه العشوائي الذي دمّر كل معالم الضاحية، كفيلة بالقضاء على منظومة الحزب العسكرية والإعلامية والبنية التحتية، وبعد تدميره "قناة المنار" و"إذاعة النور"، وعواميد الإرسال، كما قصف العديد من المراكز الخاصة بالجهات الإعلامية والفنية داخل الجسم، إلّا أنه لم يعلم، أن النشاط الإعلامي سيستمر، والبث المباشر عبر القناة والإذاعة سيعود بعد دقائق قليلة من القصف، وأن الإستديوهات كانت مجهزّة مُسبقًا في مكانٍ ما، وأيضًا، لم يعلم، أن الفِرق الإنشادية تُجهِّز نفسها لاستلام كلمات الأناشيد والفلاشات، وأن الشعراء "مبسوطين" بهدوء الضاحية، الذي تخرقه محركات الطائرات في بعض الأوقات، لكتابة القصائِد والنصوص، التي كانت بأسوأ أحوالها تأخذ مدة يوم أو يومين، لتصدر وتصبح جاهزة للعرض، من كتابة كلمات، وتلحين، وآداء، وإعداد مواد المقطع المصوَّر، وإخراج ونَشِر..

لم يعلم الإسرائيلي أن ظهور الحاج علي عمار بشكل يومي ومستمر تحت القصف في الشورى وشوارع الضاحية، سيعود بكل تلك المعنويات على الجمهور، كما لم يعلَم أن وقوف المرحومة المُجاهدة "الحاجة كاملة" على رُكام منزلها في الضاحية، لتقول "فدا إجر السيّد" سيجعلّ أصحاب الرّتب في جيشه يتصببون عرقًا في غُرَفِ العمليات أثناء مشاهدتها حينها.

هلّ كانَ يعلَم العدوّ أن صوت "علي قازان" عندما قال "لا نُبالي" في فلاش هُنا الضاحية، أدخل الرُعب في قلوب المستوطنين؟ هل يعلَم أيضًا أن كلمات "الحاج علي عباس" عندما قال "هنا الضاحية، عاصمة الكبرياء، بلاط الشهداء، وكربلاؤها نبضٌ حيٌّ من كربلاء الحسين" أيقَنا نحن، أننا منتصرون حقًا؟

لقد اتّبعت المقاومة سياسة إعلامية محددة وواضحة، بناءً على معطيات وتجارب، أهمّ أركانها:

- الظهور المستمر للأمين العام، على وسائل الإعلام (ظهور وجهه وعمّته، لديه كاريزما خاصّة، تأثيره على الصهاينة، معنويات للجمهور والمجاهدين)

- صوت الأمين العام (في الفلاشات والأناشيد، صوته المميّز، سلس على السمع، لا يتحدث بنمط واحد).

- الفلاشات (مقاطع فيديو تتضمن مشاهد للمقاومين والآليات والعمليات، معلومات استخباراتية دقيقة مع خرائط للمستوطنات بتفاصيل دقيقة من حيث المساحة والإرتفاع والموقع ـ رسائل مبطنّة لا يفهمها إلا العدو الصهيوني ويفهم إلى ماذا تغمز المقاومة).

- اللافتات والملصقات الإعلامية فوق ركام الضاحية والجنوب.

- استخدام المؤثرات الصوتية الخاصة في الفلاشات والأناشيد (صفّارات الإنذار في المستوطنات، أزيز الرصاص، إنفجار عبوات وقبضات، صرخات وتكبير وتهليل، الآداء الصوتي غالبًا يكون جشّ، رجوليّ قويّ بمخارج حروف حادةّ وقويّة).

- كلمات الاناشيد والفلاشات والقصائد (استخدام اسلوب الرّعب والتهديد، وبثّ الخوف في نفوس الصهاينة، مثل: إن كنت شجاعًا فتقدّم / لنّ تستطيع أيها الرعديد أن تحمي المستوطنات / إنّهم ليوث حيدر / النصر آتٍ آتٍ آت / يا محتلّ لا تغامر..).

- البوسترات والملصقات (تجسيد الأمريكي والإسرائيلي بشكل شيطان ومصاص دماء، بعض الشخصيات على شكل مهرّج أو شخص غير متّزن).

- رسالة السيد إلى المجاهدين والردّ (كان لها دافع كبير لثبات وصمود ورفع معنويات الأبطال في الجبهة والأهالي في التهجير والقرى وغيره).

- نشر صور لمقبرة الميركافا في وادي الحجير والقرى الحدودية (البرج منفصل عن البدن، المدفع منغرس في الأرض، السلاسل مقطّعة).

- تصوير كليب "لبنان أكبر من هيك" لـ"فرقة الولاية" مباشرةً من شوارع الضاحية تحت تحليق مكثّف للطيران، بعد نقل الآلات الموسيسقية والمنشدين والمستلزمات.

- كثافة الإنتاج (بشكل يومي كانت المقاومة تنتج فلاشات وبوسترات وقصائِد، مما شكلّ قلقًا عند الإسرائيلي أن المقاومة تنعم باستقرار ما في مكان ما يجعلها تنتج هذا الكَمّ والنوع من المرئيات.

ـ صدور جريدة الحزب "العهد ـ الانتقاد" مرتين في الاسبوع خلال العدوان وتوزيعها على الصامدين والنازحين في بيروت.

- تغطية وتوثيق العمليات والاشتبكات والكمائن في قرى الجنوب.

اليوم، بعد ١٤ عامًا من النصر، نقول للإسرائيلي كما قال الأمين العام في ٢٠٠٨، " إنّ حرب تموز ٢٠٠٦ ستكون نزهة مقارنةً بما أعدّتهُ المقاومة للإسرائيليين إذا أقدموا على شنّ عدوان جديد على لبنان".

 

حرب تموز 2006عدوان تموز 2006#زمن_النصر

إقرأ المزيد في: نقاط على الحروف