زمن النصر

نقاط على الحروف

خوذة.. وانتصار

15/07/2020

خوذة.. وانتصار

سعد حمية

كلما رأيتها، يعود بي الزمن إلى ذكريات أيام امتدت لثلاثة وثلاثين يوماً اختتمت بانتصار تاريخي غير وجه لبنان والمنطقة وما زالت مفاعيله متواصلة. كلما دخلت غرفة رئيس التحرير، أراها شامخة في احدى زاويا الغرفة. هي خوذة بيضاء ما زلنا نحتفظ بها تذكاراً من تلك الحرب التي بدأت في 12/7/2006. قصة هذه الخوذة، بدأت في اليوم الثالث من عملية "الوعد الصادق" عندما وجدناها على قارعة احد طرقات الضاحية الجنوبية فجر يوم الجمعة بعد ليلة عنيفة من الغارات الاسرائيلية التي استهدفت المنطقة. ربما هي لمسعف أو لأحد المجاهدين أو احد الصحافيين الزملاء، لكن بطريقة ما فقدها.

بطريقة عفوية اندفعت نحوها ووضعتها على رأسي عازماً على الاحتفاظ بها خصوصاً أنها جاءت كما يقال في عز الطلب عليها. ومع أني لم أعد أذكر أني اعتمرتها في تلك الأيام الا أنها بقيت محفوظة في مكان العمل.

ذُكرت بهذه الخوذة بعد غياب ثلاثة سنوات ونيف عندما كنت في سفر خارج البلاد .المفاجأة كانت عندما رأيتها على ستاند في غرفة رئيس التحرير الذي انعش ذاكرتي بحديثه عنها ..تدفقت الذكريات واحدة تلو الاخرى بدءًا من لحظة ورود المعلومات الاولية عن عملية "خلة وردة"، وكيف تطورت وتصاعدت الأمور طيلة شهر وثلاثة ايام وكيف كان لـ "الانتقاد ـ العهد" (ورقياً) دورها في تلك الحرب وتفعيل الموقع الكترونيا لمواكبة التغطية ميدانياً وسياسياً إلى جانب شقيقاتها "المنار" و"النور" والعلاقات الاعلامية.

خوذة.. وانتصار

المشهد في تلك اللحظة يقارب السوريالية.. خوذة على قارعة الطريق .. أسلاك كهرباء متدلية .. حطام الزجاج في كل مكان. بعض من الركام يقفل الطريق وحركة شبه معدومة تلك كانت البداية فقط إذ ان المشهد النهائي للدمار الذي شهدته الضاحية في نهاية العدوان كان مهولاً ..في تلك اللحظة كنا اسرة "الانتقاد ـ العهد" نختم العدد الأول من عدوان تموز لننهي ثلاثة أيام عصيبة تحكي ولادة عدد سرد وقائع وتفاصيل عملية "الوعد الصادق" وتفاعلاتها فضلاً عن تداعياتها.
 
في التاسعة من صباح يوم الاربعاء 12 تموز عام ألفين وستة، تم تنفيذ عملية "الوعد صادق" وبدأت المعلومات الأولية تتواتر عنها عبر شاشة "المنار". بداية معلومات عن قتلى ثم أسرى فتفجير دبابة ومقتل من فيها ثم اعلان عن مؤتمر صحافي للأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله .. في حينه بدأنا التفكير في اعادة هيكلية العدد وإلغاء عدد من الصفحات لتخصيص حيز أكبر للتطورات الميدانية الاخيرة ومتابعة مؤتمر الأمين العام وردود الفعل على العدوان محليًا واقليميًا ودوليًا. 

خوذة.. وانتصار

في صبيحة يوم الخميس (13 تموز) توجهنا إلى مكان عملنا، وكانت الطائرات الاسرائيلية الحربية قد قصفت مبنى قناة "المنار" لذك كان علينا اتخاذ اجراءات جديدة في العمل واعادة تبويب وتقسيم للصفحات من جديد والشروع في اعداد التقارير والمقالات لتواكب التطورات الاخيرة. انتقلنا على عجل الى احدى الشقق في مكان ما من الضاحية، وكان لكل منا حاسوبه الشخصي، وكرسي من دون طاولة وبدأنا اعداد المقالات والتقارير في سباق مع الزمن والأوضاع المتسارعة.

تلك الساعات بدت ثقيلة، فحدة المواجهات والغارات ارتفعت منذرة بساعات وأيام عصيبة مقبلة. وعند المساء، كانت التقارير تتكامل، وشرعنا بالعمل على اعداد "الانتقاد" اخراجياً وكنا نحث الخطى كي نعجل في اعداد الاصدار ليتسنى ارساله الى المطبعة باكراً ومن ثم توزيعه كما هو معتاد.

وفي ساعات المساء بدأ تحليق الطائرات الاسرائيلة في سماء الضاحية وبدأت الغارات تتوالى .. وكان وميض انفجار الصواريخ يظهر أمامنا من أحد النوافذ .. ودوي الانفجارات يتوالى من جهات عدة حولنا.. في تلك الليلة كانت الطائرات الحربية تقصف كل الجسور في الضاحية.. جسر مستديرة المطار وتقاطع المشرفية وكنيسة مار مخايل وجسر بئر العبد وأماكن اخرى حتى ساعات الفجر الاولى.. وما إن أذن المؤذن فجراً حتى اختلط صوته بدوي انفجار الصواريخ وأزيز الطائرات المغيرة حتى اهتز المبنى الذي كنا فيه وكأن زلزلة ضربته !! توالت سلسلة انفجارات مع همهمات من الحاضرين وحديث عن أن هذه السلسلة من الانفجارات عيّنة بسيطة لما سنشهده في الأيام المقبلة.

بعد دقائق عصيبة خرجنا جميعاً من المبنى الذي اهتز ولم يقع، بعد أن كنا أرسلنا إصدارنا الاول عن العدوان  إلى المطبعة، وأردنا التوجه إلى منازلنا ... عندها وجدنا الخوذة على الطريق.. أكملنا طريقنا وكانت لنا محطات استراحة عدة قبل أن نتفق أن نكون على تواصل تمهيداً لاصدار عدد جديد، ثم ارتفعت حدة التحدي مع اصرارنا على اصدار عددين في الاسبوع برغم القصف والغارات والاستمرار بالمتابعة عبر الموقع الالكتروني حتى الأيام الأخيرة من العدوان الذي انتهى بهزيمة مدوية لـ"اسرائيل" وراعيتها.

 

 

حرب تموز 2006عدوان تموز 2006#زمن_النصر

إقرأ المزيد في: نقاط على الحروف