زمن النصر

خاص العهد

 الدولار يتأرجح: فهل يستقر؟  

13/07/2020

 الدولار يتأرجح: فهل يستقر؟  

فاطمة سلامة

لم تعد قصّة الدولار في لبنان خفية على أحد. يوماً تلو آخر، تتضح أكثر معالم اللعِب بمعيشة الناس وأعصابها وعملتها الوطنية. صحيح أنّ أوضاع لبنان الاقتصادية في الدرك الأسفل، نتيجة غياب مقوّمات الاقتصاد المنتج. وصحيح أيضاً أن لبنان يعاني شحاً في العملات الأجنبية، إلا أنّ ثمّة لعبة سياسية محكمة أوصلت البلد الى ما هو عليه اليوم. لعبة دفعت بالمسؤولين عن النقد الى الوقوف مكتوفي الأيدي أمام الانهيار. لعبة جعلت منظومة "خبيثة" تتحكّم بالسوق السوداء كيفما تشاء. أكثر من ذلك، ثمّة من يلعب لعبة تخدير الناس فيرفع سعر الصرف الى مستوى قياسي حتى يصبح انخفاض سعر الصرف عند حد السبعة آلاف أو الستة آلاف شيئاً محموداً، بعدما استمرّ سعر الصرف عند حد الـ1500 ليرة لأكثر من عقدين من الزمن. 

أمام هذا الواقع، لا أحد يملك الكلمة الفصل إزاء مستقبل الليرة اللبنانية في لبنان. ولا أحد يملك اليقين ما اذا كنا مقبلين على استقرار في سعر الصرف أم سيظل التأرجح سيد الموقف. وفي هذا الصدد، لا يخفى على أحد أنّ كلمة سر سياسية خارجية كفيلة بضبط سعر الصرف على قاعدة "من يقود الانهيار، يوقفه". 

بموازاة ذلك، يُعوّل البعض على عدة مؤشرات يصفها بالإيجابية خصوصاً بعد الهبوط الذي شهده سعر صرف الدولار في السوق السوداء والذي لامس الألفي ليرة خلال الـ48 ساعة الماضية، رغم التأرجح الحاصل زيادة ونقصاناً بين ساعة وأخرى. تماماً كما يعوّل البعض على أجواء سياسية ووعود متأتية من جهات عربية لمساعدة لبنان، وهو ما يدفع ببعض الخبراء الى توقع انخفاض سعر الصرف في الأيام المقبلة، معدّدين في هذا الصدد بعض المؤشرات كخطوة السلة المدعومة وضخ الدولار عبر المصارف، والدولارات الآتية مع عودة المغتربين، والأجواء الإيجابية بشأن الانفتاح اللبناني على الشرق. وفي المقابل، هناك من يرى أنّ قضية سعر الصرف هي لعبة سياسية، وعليه لا استقرار بسعر الصرف سوى بفرملة هذه اللعبة. 

خليل: التلاعب بسعر صرف الدولار لا يرتبط بقاعدة العرض والطلب

الخبير الاقتصادي الدكتور حسن خليل يرى في حديث لموقع "العهد" الإخباري أن التلاعب بسعر صرف الدولار في لبنان لا يرتبط بقاعدة العرض والطلب كما باقي الأسواق. التلاعب يأتي نتيجة منظومة سياسية مالية تتحكّم اليوم بسعر الصرف كما تحكّمت به وثبّتته على الـ1500 ليرة على مدى أكثر من عشرين عاماً. لكن تلك الفترة تختلف -بحسب خليل- عن اليوم. سابقاً، كان لدى هذه المنظومة القدرة عبر امتلاك مليارات الدولارات للدفاع عن سعر الصرف، أما اليوم فليس لديهم مليارات الدولارات رغم أنّ حجم السوق بات أصغر. 

 

 الدولار يتأرجح: فهل يستقر؟  

وعليه، فإنّ الوضع الاقتصادي -بحسب خليل- انقلب رأساً على عقب، فقاعدة العرض والطلب لا تتحكم بالسوق. وهنا يسأل خليل: ما الذي يحدّد سعر الصرف في لبنان؟. السؤال -من وجهة نظره- ضرروي لمعرفة ما اذا كان سعر الصرف الموجود اصطناعيا أم واقعيا. وفي هذا الصدد، يطرح خليل سؤالا آخر: هل العرض والطلب على الدولار وصلا الى سعر التوازن؟ حكماً لا، يجيب خليل وذلك لسبب بسيط، فلبنان كان يستورد بـ20 مليار دولار سنوياً، واليوم وفي ظل الانكماش الاقتصادي لا مجال أمام لبنان سوى الاستيراد أقله بـ11 مليار دولار سنوياً. هذا المبلغ من أين ستأتي به الدولة؟ بطبيعة الحال لا مجال سوى بدخول الأموال الى لبنان، وكلنا يعلم أنّ هذا الأمر متعذّر ويقتصر على تحويلات المغتربين الى أهاليهم. فمن أين سنغطي احتياجاتنا من الدولار؟ يسأل خليل. 

حلول مؤقتة والارتفاع وارد الا اذا..

ويعتبر خليل أن بعض المسؤولين يعملون على إيجاد حلول مؤقتة لشراء الوقت، ولكي تبيع الناس "دولاراتها" المركونة في المنازل. هذه الجريمة -وفق تعبيره- مستمرة. وبرأي خليل، فإنّ الليرة اللبنانية لن يكون لها أي قيمة سوى بعد إرساء نظام اقتصادي ودولة قائمة على عقلية جديدة ورأسمال جديد تتمكّن عبره من الانتاج والتصدير للخارج. برأيه، فإنّ عدم وجود عملية اقتصادية نشطة فإن الليرة لن يكون لها قيمة. ويرجّح خليل إعادة ارتفاع سعر صرف الدولار، في حال لم يكن هناك رغبة دولية بمنع الانهيار الشامل في لبنان، عبر الضغط على بعض الدول لمساعدة لبنان. أما في حال وجدت الرغبة، فبالتأكيد يساهم هذا الأمر في استقرار الوضع. 

ويختم خليل حديثه بالقول "بدون حل جذري للبنان فإنّ الليرة لن تساوي شيئاً". 

رمال: صعود الدولار الى عشرة آلاف هو عملية مشبوهة متعلّقة بواقع سياسي معيّن

لدى سؤال عضو المجلس الاقتصادي الاجتماعي الأستاذ عدنان رمال عن مستقبل الليرة اللبنانية، يرى أن لا تحسن حتى اليوم لكافة المؤشرات الاقتصادية السلبية. لكنّه في المقابل، يشير الى أنّ ارتفاع سعر صرف الدولار الى العشرة آلاف هو ارتفاع غير علمي وغير اقتصادي وغير واقعي، لأن عملية تسعير أي عملة في العالم ترتبط بالاقتصاد والانتاج، وبقيمة الاستيراد وحجم الاقتصاد الوطني. وبالتالي، فإنّ صعود الدولار من أربعة آلاف الى عشرة آلاف خلال أسبوع هو عملية مشبوهة ومتعلّقة في جزء منها بواقع سياسي معين. 

 

 الدولار يتأرجح: فهل يستقر؟  

غياب مصرف لبنان عن السمع أدى الى الارتفاع الجنوني 

ارتفاع العملة الصعبة في السوق السوداء بهذه الأرقام الكبيرة كان -وفق رمال- بسبب الغياب الكلي لتدخل مصرف لبنان في سوق النقد والقطع في الأسواق الموازية. الأمر الذي مكّن أي مجموعة مالية أو مصرفية من التحكم في السوق الموازي، اذ يكفي أن يضخ هؤلاء مبلغاً معيناً من المال حتى يهبط سعر الصرف، ويكفي أن يتراجعوا عن الضخ حتى يرتفع. هؤلاء أصبح لديهم -بحسب رمال- قدرة للتحكم في السوق الموازي أكثر من مصرف لبنان وأكثر من الصيارفة الرسميين. ويوضح المتحدّث أنّ التأرجح بسعر الصرف مرده الى أنّ هذه المنظومة ترفع سعر الصرف عندما تريد أن تبيع الدولارات على السعر العالي، ثم تخفضه لتشتري الدولارات من المواطنين على السعر المنخفض. وهنا أصبح لدينا عملية احتكار للدولار، بحسب تعبير رمال. الدولار بنظره سلعة كأي سلعة يتم التداول بها في الحياة اليومية، وفي حال كانت سلعة متوفرة لا يرتفع سعرها، أما اذا كانت نادرة فبالطبع سيرتفع سعرها خاصة أنّ هناك طلب عليها.  

كم تبلغ قيمة الدولار الفعلية اليوم؟

ورداً على سؤال حول مستقبل العملة الوطنية، يتحدّث رمال عن مساوئ ارتفاع سعر الصرف، لافتاً الى أنّ صعود الدولار غير محمود ويؤثر بشكل مباشر على واقعنا الاجتماعي والاقتصادي. تماماً كما يهدّد استمرارية المؤسسات ويضر بالتجار والصناعيين والمواطنين. وفي المقابل، فإنّ هبوط الدولار يشكّل خطوة مفيدة للواقع الاقتصادي والاجتماعي شرط أن يشهد استقرارًا. بمعنى أنه اذا استمر التأرجح ما بين الهبوط والصعود فإنّ ذلك يعني أن منظومة السوق السوداء تتحكم بواقعنا المالي والاقتصادي. كم تبلغ قيمة الدولار الفعلية؟ يجيب رمال على هذا السؤال بالتأكيد أنه من الصعوبة اليوم تحديد هذه القيمة، فنحن في حالة تخبط وانقطاع للكثير من الأصناف الموجودة في البلد، كما أنّ المواطنين وبعض المؤسسات يعانون لتأمين الدولارات. وللأسف فإن تجربة السوق السوداء لم تنسحب على الدولار فقط بل على الكثير من السلع، وفي هذه الحالة من الصعوبة جداً بمكان تسعير القيمة الفعلية الدولار. لكن وفق حسابات رمال، فإنّ قيمة هذه العملة الأجنبية لا يجب أن تكون أكثر من 5 الى 6 آلاف ليرة، وذلك بحسب الواقع الاقتصادي المتردي حالياً، وقد تزيد تلك القيمة في الفترة المقبلة اذا ما اتجهت الأوضاع أكثر نحو الأسوأ. وفق رمال فإنه من غير المفهوم القيمة التي وصل اليها سعر الصرف نهاية الشهر الماضي (10 آلاف ليرة) ولو كنا أمام مؤشرات سلبية. 

الدولار المدعوم ممنوع على أي شركة جديدة ما سيؤدي الى الاحتكار 

ويوضح رمال أن ما يزيد الطين بلة بموضوع سعر الصرف، هي كمية هدر الدولارات التي زادت مع إطلاق مشاريع من قبيل السلة المدعومة. برأيه، فإنّ ضخ الدولار عبر المصارف يشبه ضخ الدولار عبر الصرافين. لا يريد رمال الحكم على هذه السلة، لكنه يشير الى أن هناك علامات استفهام كبيرة حولها فالمصارف أصبحت متحكمة في السوق، ومن غير المعلوم من ستزوّد بالدولار المدعوم وان كان يحوز رضاها أم لا، ما سيعزّز الاحتكار. وهنا يلفت رمال الى أنّ هناك الكثير من الشركات التي تستورد سيؤمّن الدولار المدعوم لها، لكن في المقابل سيُمنع هذا الدولار على أي مستثمر أو أي شركة جديدة نشأت حديثاً ما سيؤدي حكماً الى الاحتكار. وهذا شيء غريب -وفق رمال- أن يتم حصر مسألة الاستيراد وفق الدولار المدعوم بمن استورد خلال العامين الماضيين. 

أمام هذا الواقع، يُشدد رمال على أهمية تقديم الدولار المدعوم مباشرة للمستهلك وليس عبر التاجر، فمن يمنع المستورد من أن يبيع جزءا من السلع على المدعوم والمتبقي على السعر الذي يريده؟ يسأل رمال الذي يعتبر أن آلية وزارة الاقتصاد لضبط هذا المشروع صعبة جداً. 

وفي الختام، يلفت رمال الى أنّه طالما هناك حالة إنكار من قبل السلطة السياسية، وطالما لم نذهب باتجاه خطوات جدية لرفع قيمة العملة الوطنية، فإنّ المؤشرات ستبقى سلبية. برأيه، فإنّ المطلوب من الحكومة تأمين الحد الأدنى من احتياجات ذوي الدخل المحدود والأسر الفقيرة، اذ لا يجوز لهذه الحكومة أن تفاوض بخطط طويلة الأمد وتترك النزيف الحاصل اليوم. عليها الذهاب باتجاه تصحيح الواقع الاقتصادي الذي لم يشهد مثله التاريخ اللبناني عبر اجراءات استثنائية ويومية.

الدولار

إقرأ المزيد في: خاص العهد