زمن النصر

آراء وتحليلات

ترامب "القوي" یتراجع.. وبایدن "النعسان" لا يتقدم

09/07/2020

ترامب "القوي" یتراجع.. وبایدن "النعسان" لا يتقدم

سركيس ابوزيد

يمثل عام 2020 محطة صعبة فيها خيارات مصيرية.. إنها سنة رئاسیة لأميركا مقرونة بأزمات كبیرة حيث تواجه الولایات المتحدة وباء "كورونا" وركودًا اقتصاديًا وحركة مناھضة للعنصریة، مما يعید تحدید الرھانات السیاسیة الكبیرة قبل أشھر من موعد الانتخابات الرئاسیة التي یصعب التنبؤ بنتائجھا. بعد تفشي فيروس "كورونا" على نطاق واسع ووفاة أكثر من 120 ألف أمیركي، وھي أعلى حصیلة وفیات للوباء في العالم، وخسارة أكثر من 40 ملیون أمیركي وظائفھم في خضم الأزمة الاقتصادیة الراھنة، عمت المدن الأمیركیة حركة احتجاجیة واسعة ضد اللامساواة العنصریة بعد وفاة المواطن الأمیركي من أصول أفریقیة جورج فلوید على ید شرطي أبیض في مینیابولیس.

تاریخ العنف العنصري تعود جذوره إلى قرون عدة، حین كانت العبودیة ضد السود ھي نظام الحكم الذي قامت علیه الولایات المتحدة قبل استقلالھا عن بریطانیا. وما جرى یعبّر عن واقع حال یكاد ینفجر بوتیرة مستدامة، ویدور معھا العنف العنصري في دائرة مفرغة. العنف الذي انفجر في مدینة مینیابولیس، كبرى مدن ولایة مینیسوتا، وامتد منھا لیشمل نحو ثلاثین ولایة، وأكثر من مئة وأربعین مدینة كبرى بعد مقتل فلوید، یشكل حلقة أخیرة في لائحة طویلة وتاریخیة من أعمال الشغب العنصریة في الولایات المتحدة. لقد سلّط موت فلوید الضوء على قضیة سیاسیة لھا عدة أبعاد. قضیة تصاعد ارتباطھا المنھجي بالعنف الذي مورس ویمارس على الأقلیات من قبل الشرطة في الولایات المتحدة، وذلك في ظل اتھامات وجھت إلى الرئیس الأمیركي دونالد ترامب بأنه یتحّمل قدرًا كبیرًا من المسؤولیة عن تأجیج المشاعر عبر خطاب عسكري ودعوات إلى تطبیق القانون والنظام ضد لصوص ومثیري شغب، وفي إقحام الجیش في الخلافات الداخلیة، وفي جعل رجال الأمن یشعرون بالحصانة عن أفعالھم.

السیاسیون والخبراء الأمیركیون یتحدثون عن أن سیاسة ترامب الداخلیة وما تمیّزت به من تعمیق متعمد للشرخ بین الأمیركیین، سترفع سقف المطالبة بتغیّرات سیاسیة سوف تتصاعد في الأشھر المقبلة المواكبة للانتخابات الرئاسیة، وسيسرع مع عوامل بنیویة أخرى المسار التاریخي لتراجع سیطرة الغرب على العالم. فھؤلاء یتھمون الرئیس بالسعي لتقسیم الأمیركیین . والخشیة من تعاظم الشرخ الأمیركي، ھي انعكاساته السلبیة جدًا على دورھا الإمبراطوري، خاصة في ظل التحدي المتمثل في صعود دور القوى غیر الغربیة، وفي مقدمتھا الصین. الانقسام الداخلي والعلاقات المتوترة مع الحلفاء التاریخیین ھما تھدید لھذا الدور. والشرخ الداخلي المتعاظم سیقضي على ما تبقى من استعداد للتدخل الخارجي مھما كانت مبرراته الظرفیة. وھذه الشروخ التي أسھم ترامب في تعمیقھا، مھما كانت نتائج الانتخابات الرئاسیة القادمة، ستسرع الانحدار الأمیركي في عالم تعتمل فیه تغیّرات كبرى.

في المقابل، ھناك من یرى أنه من التسرع والتبسيط الاعتقاد بأن انھیار أمیركا وشیك في خضم التطورات الحاصلة راھنًا، إذ ثمة حقائق لا یمكن التغاضي عنھا أو تجاھلھا تجعل من الولایات المتحدة قادرة على التعافي ومداواة عللھا ولو مرحلیًا.  

المشكلة لترامب أن سیاسته الوحیدة الثابتة والمتمحورة حول أمل الفوز بولایة ثانیة بدأت تتھاوى، وسط قناعة متزایدة بأنه یتجه نحو خسارة الانتخابات. فحسب موقع "بولیتیكو" الأمیركي الإخباري فإن عددًا من المقربین أقروا بأنه حتى استطلاعاتھم الخاصة التي أجرتھا حملته الانتخابیة تشیر إلى أن فرص إعادة انتخابه تراجعت بشدة في الأشھر الأخیرة. بل إن الرئیس ذاته، حسب الموقع، بدأ یعترف لدائرته الخاصة بأنه من الممكن أن یخسر في تشرین الثاني المقبل. ھذه الصورة تؤكدھا كل استطلاعات الرأي الأمیركیة بلا استثناء، وبشكل متواصل منذ آذار الماضي، إذ إنھا تشیر إلى تقدم بایدن على ترامب بنسب تتراوح بین 5 و14 في المئة.

وأكدت "نیویورك تایمز" أن استطلاعھا للرأي أشار إلى أن 50 في المئة من الناخبین یؤیدون بایدن مقابل 36 في المئة لترامب. المرعب لمعسكر ترامب الانتخابي أن استطلاع "نیویورك تایمز" وجد أنه تراجع في ست ولایات مھمة لإعادة انتخابه وفاز بھا في 2016، وھي بنسلفانیا وفلوریدا ومیشیغان وأریزونا ونورث كارولینا وویسكونسن، وأن بایدن متقدم فیھا بنسب تتراوح بین 6 و9 في المئة.

بعض أنصار الرئیس یأملون في انقلاب في حظوظه مشابه لما حدث في انتخابات عام 2016، عندما تمكن من تحسین مركزه على الرغم من استطلاعات الرأي التي كانت تعطي تقدما لھیلاري كلینتون حتى قبل أسابیع من الانتخابات. لكن الظروف الیوم تبدو مختلفة. والیوم ھناك خمسة عوامل تلعب ضده وتضعف فرص إعادة انتخابه:

1- جائحة "الكورونا" التي ضربت أمیركا بقوة وما تزال أرقام ضحایاھا في ارتفاع، وسط اتھامات بأنه استسلم في ھذه المعركة وصرف تركیزه نحو حملته الانتخابیة ما اعتبر قمة اللامسؤولیة، لأنه یعرض الناس للخطر.

2- الاقتصاد الذي كان ترامب یرى فیه إحدى أھم أوراقه الانتخابیة، تعرض لضربة قویة نتیجة جائحة "الكورونا" ولا یتوقع أن یتعافى قریبا. فبینما یتوقع الكونغرس أن تبلغ نسبة انكماش الاقتصاد الأمیركي 11 في المئة في الربع الثاني من العام الحالي، ضربت البطالة أرقاما قیاسیة مع تسجیل 41  ملیون شخص أنفسھم على أنھم بلا عمل، بینما تقول الجمعیات الخیریة إن 37 ملیون أمیركي منھم 11 ملیون طفل یواجھون الجوع ویحتاجون الدعم من بنوك الغذاء.

3- تفجر قضیة العنصریة وعنف الشرطة بعد قتل جورج فلوید خنقا تحت ركبة شرطي أمیركي في مینیسوتا نھایة أیار الماضي، وما تبعه من مظاھرات ھائلة عمت أرجاء الولایات المتحدة، وامتدت لتشمل الكثیر من عواصم العالم. ومرة أخرى تعرضت معالجة ترامب لواحدة من الأزمات الداخلیة إلى إنتقادات عنیفة، لا سیما بعد تصریحاته المثیرة للجدل التي بدا فیھا محرضًا للسلطات المحلیة على قمع المتظاھرین، وملوحًا بإنزال الجیش إلى الشوارع. ویتوقع أن تلعب ھذه القضیة دورًا في حشد الكثیر من الشباب وأصوات الأقلیات ضد ترامب في انتخابات تشرین الثاني.

4- اندفاع ترامب لاسترضاء قاعدته الیمینیة المتشددة، واستخدامه لورقة فرض القانون أثناء المظاھرات، وظھوره لالتقاط الصور وھو یحمل نسخة من الإنجیل أمام كنیسة تاریخیة قرب البیت الأبیض أصیب قسم منھا بأضرار إبان تلك المظاھرات، مما أدى الى خسارته أعدادا من المتعاطفین غیر المتشددین الذین كانوا عاملًا في فوزه في العام 2016.

5- استراتیجیة الدیمقراطیین في ترك ترامب یحارب نفسه سواء بأخطائه أو بأن يقلل جو بایدن من ظھوره وتصریحاته. وقد أعلن أنه لن ینظم تجمعات انتخابیة بسبب "الكورونا". وبذلك حرم ترامب من أحد أسلحته في الھجوم علیه، واستخدام تصریحاته للسخریة من قدراته الخطابیة ووصفه بـ"جو النعسان".

صحیح أن شعبیة ترامب شھدت تراجعًا في استطلاعات الرأي، إلا أن كل ذلك لا یقدم لبایدن انتصارا على طبق من فضة. ورغم أجواء الفوضى، لا یزال ترامب لدیه الفرص والإمكانات لإعادة انتخابه، إذا تمكن من التحدث في مسألة الأعراق بشكل بناء، وإذا كان قادرًا على قیادة استئناف النشاط في مجالي الصحة والاقتصاد.

الولايات المتحدة الأميركيةدونالد ترامب

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية
مقالات مرتبطة