زمن النصر

آراء وتحليلات

خطاب السيد والمقاومة الاقتصادية والسياسية

08/07/2020

خطاب السيد والمقاومة الاقتصادية والسياسية

 عبير بسام

في اللحظة التي أعلن فيها الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله في خطابه في 7/7/2020، أن لبنان يجب أن يصبح دولة تأكل مما تزرع وتلبس مما تصنع، كان يعلن مرحلة المقاومة من خلال العمل والاعتماد على الذات بدلًا من انتظار المساعدات التي يمكن أن تأتي من هنا وهناك. فالمقاومة تكون في تأمين الطعام وحاجيات الحياة كما هي في حمل السلاح من أجل الدفاع عن الأرض والوطن. ففي حين أن المقاومة المسلحة تحرر الأرض وتحميها من المستعمر، فإن "المقاومة الاقتصادية" تكتسب أهمية كبرى في تحرير الإنسان من الطغيان والهيمنة.

استعرض السيد في 7/7 الخيارات المطروحة على لبنان، وربط ذلك بالمستجدات التي حصلت في لبنان. وفي الحقيقة فإن خطاب السيد نصر الله أتى اليوم ليكمل ما بدأه في الخطاب الذي جاء قبله في 16/6/2020، والذي تحدث فيه عن أهمية توسيع مجال الخيارات أمام لبنان بالتوجه شرقاً للنهوض اقتصادياً بالبلد. الخطاب يكتسب أهمية في توقيته اذ إنه جاء بعد أيّام من زيارة السفير الصيني للحكومة اللبنانية وبدء استعراض المشاريع التي يمكن للصين أن تستثمرها في هذا البلد، وبعد زيارة الوفد العراقي، الذي جاء بحل لأزمة الوقود لتشغيل معامل الكهرباء ويدرس إمكانيات عودة التعاون الاقتصادي مع لبنان، وتحركات أخرى قد ينشر مضمونها لاحقاً والتي تتعلق بتوجه لبنان نحو الشرق.

ولنبدأ من تاريخ الخطاب، فقد شغلت مواقع التواصل الاجتماعي في تحليله ورده إلى أصول رمزية. بالطبع اختار السيد الخروج والتحدث مع اللبنانيين معتمداً في قراره على المعطيات السابقة، ولكن المغردين في لبنان اختاروا أن يربطوا التاريخ بحلم عزيز مصر الذي فسره النبي يوسف عليه السلام حول السبع بقرات السمان اللواتي يأكلهن سبع بقرات عجاف وسبع سنابل خضر وأخر يابسات، وأنّ التواتر في الأرقام 7/7 وفي 20/ 20 له دلالاته، وقد أشار السيد للمصادفة وهو يضحك، ولكنه في الحقيقة أراد ممن يسمعه أن يؤرخ في ذلك اليوم بدء عهد جديد في المقاومة الزراعية والصناعية.

وفي هذا الإطار فإن أهم ما لفت له السيد هو دور الحكومة في دعم المزارعين والصناعيين من أجل انتاج سلع منافسة في الأسواق الإقليمية، والتي يجب أن تحمل ميزتين هامتين، اولاهما الجودة، وثانيتهما هي رخص الأسعار. وأما الصفة الأولى فهي تستند إلى مواصفات موضوعية لها علاقة بأداء العمل ونوعية الأرض والبذار والسماد وتوفر مياه الري بالنسبة للزراعة، ونوعية المواد الأولية وحرفية التصنيع بالنسبة للثانية.

والمزارع والصناعي والحرفي اللبناني لن يعدم الوسيلة المهنية في مجالي الزراعة والصناعة. ولكن المشكلة هي في التكلفة المرتفعة، التي قد تجعل المنافسة في الأسواق الإقليمية كبيرة، وهنا تدخل أهمية ما أشار إليه السيد نصر الله حول دور الحكومة في دعم المزارعين والصناعيين، أولاً، من خلال المشاريع الإنمائية وخاصة مشاريع الري والكهرباء، واللذين هما عصب الصناعة والزراعة، وثانياً من خلال تأمين القروض الميسرة والمنخفضة الفائدة وخاصة للفلاحين.

وبذلك، يجب أن ينتج دور اقتصادي جديد للبنوك في لبنان في دعم الإنتاج في الصناعة والزراعة، بدلاً من الاعتماد على سياسة اقتصاد المال والقروض الحصرية وغيرها من سياسة الخدمات والتي تعتمد على القروض الشخصية ذات الفوائد العالية والتي تشجع على استهلاك السلع: كالسيارات والمفروشات وغيرها.. والتي يمكن للبنوك وضع اليد عليها في حال قصر المقترض في دفع أقساطه. وهذا الدفع نحو الواقعية في وضع الزراعة والصناعة وتحويلها إلى مصدر دخل قومي وليس فقط شخصيا، مع أهمية المصدرين، هو نظرة جديدة إلى واقع الاقتصاد اللبناني وحيثياته، اذ لم يعد بالإمكان الاعتماد على قطاع الخدمات الذي لم يجد نفعاً ولم يعد لبنان قادرًا على العمل عليه في ظل هيمنة الولايات المتحدة على عمل المصارف من خلال تحكمها بخطوط سير التحويلات المصرفية. وبالتالي فإن الاستمرار بهذه السياسة سيفرض التزاماً سياسياً في المنطقة والإقليم تضع فيه الولايات المتحدة أمن اسرائيل أولاً.

إذاً الالتزام بقطاع الخدمات الذي انتهجه لبنان في سياساته الاقتصادية الفاشلة منذ العام 1990، أي منذ اتفاق الطائف وحتى اليوم، تحدث السيد صراحة عن تبعاته الاقتصادية والأمنية والسياسية على لبنان. هذه السياسات بنيت على مبدأ اتفاقيات سلام مستقبلية في المنطقة.

يأتي خطاب السيد نصر الله في وقت ابتدأت فيه المندوبة السامية الأميركية دوروثي شيا بإطلاق التصريحات المستفزة على شاشات الفضائيات العربية، والتي تأتي خطورتها من أنها تؤسس وتدعو بشكل مبطن أو صريح الى اقتتال أهلي جديد في لبنان. فأمريكا الملتزمة بأمن "اسرائيل"، أولاً، لا تستطيع أن تراقب لبنان وهو يسير نحو استقلال اقتصادي ومقاوم يمنحه القوة في مواجهة الكيان الغاصب. وإستقلال لبنان بغذائه ودوائه وحاجاته بعيداً عن هيمنة البنك الدولي والسوق العالمي الغربي ياتي في هذا الإطار. لقد جاء الخطاب داعماً للحكومة اللبنانية في اجراءاتها الجريئة في التوجه شرقاً من أجل الدفع نحو استقلال اقتصاد لبناني بعيداً عن الهيمنة.

لبنانالزراعةالصناعة

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية
مقالات مرتبطة