نقاط على الحروف

نقص الفعالية وتدخل السفيرة شيا

29/06/2020

نقص الفعالية وتدخل السفيرة شيا

ايهاب زكي

 

في العام 1952 استشفت الحكومة السوفيتيية من تصريحات السفير الأمريكي لديها ربطاً بين الاتحاد السوفييتي وألمانيا الهتلرية، على إثر ذلك أعلنت أن السفير الأمريكي شخص غير مرغوبٍ فيه. حتى كيان العدو الأشد صفاقة والأكثر تدخلاً ليس فقط في شؤون المحيط فقط، بل في أدق تفاصيل يومياته وصولاً لمصيره، قام عام 2008 باعتبار المقرر الأممي لحقوق الإنسان شخصاً غير مرغوبٍ فيه، على إثر تشبيهه السلوكيات "الإسرائيلية" تجاه الفلسطينيين بسلوكيات النازيين تجاه اليهود. والأمثلة كثيرة في هذا الإطار لا يتسع المقام لسردها. وهذا الطرد الدبلوماسي يتوافق مع القانون الدولي، حيث إنّ المادتين 41، 42 من اتفاقية فيينا، تقضيان باعتبار السفير شخصاً غير مرغوبٍ فيه، في حال انتهاكه قوانين ولوائح الدول المعتمد لديها أو تدخله في الشؤون الداخلية. كذلك من الأسباب التي تؤدي لهذا الاعتبار، إدلاء السفير بتصريحات غير ودية تجاه السياسة الداخلية أو الخارجية للدولة المضيفة، أو التحريض أو التشجيع على قيام تظاهرات أو إضرابات، أو الإدلاء بتصريحات ضد رئيس الدولة أو التحريض ضد نظام الحكم، ومع مقارنة بنود هذه الاتفاقية مع سلوكيات السفيرة الأمريكية في لبنان، يبدو أنّ من صاغوا الاتفاقية كان يقصدونها تحديداً.

أعلن السيد نصر الله في خطابين متتالين أنّ سوريا أنجزت انتصارها النهائي، وما تبقى من جغرافيا سورية خارج سيطرة الدولة، لا يحتاج سوى الوقت لإصدار القرار بالاستعادة، ولأنّ الولايات المتحدة و"إسرائيل" تدركان هذه الحقيقة، فقد انبرت السفيرة الأمريكية للردّ المباشر على خطاب السيد نصر الله، ويدركون أنّ هذا النصر الناجز لا سبيل لمنعه على الإطلاق، فيتم السعي لتأخيره أولاً، والحدّ من مفاعيله على"إسرائيل" والوجود الأمريكي في المنطقة والنفوذ في العالم ثانياً، فالأمر لم يعد مجرد معركة خسرتها الولايات المتحدة خسارة قابلة للاستدراك، بل هي خسارة للحرب، بكل ما يترتب على هذه الخسارة من نتائج على مستقبل الإمبراطورية وأدواتها، وهذا الإدراك هو ما يدفع الولايات المتحدة لتسريع خطواتها بشكلٍ تبدو عليه الحماقة أحياناً، كما حدث في منح الضوء الأخضر لـ"إسرائيل" ببدء التنقيب فيما يسمى بلوك "ألون دي" وكما تقول "إسرائيل" فهو محاذٍ للـ"بلوك9"، وكانت تمتنع عن التنقيب سابقاً تحت وطأة الخوف من الصدام مع حزب الله، أو كما حدث باعتقال القوات المشتركة لعناصر من الحشد الشعبي، أو قيام عناصر قسد بسلوك استفزازي حيث السيطرة بالقوة على مقار حكومية سورية رسمية بالحسكة، بالإضافة لما يحدث في لبنان من تسعيرٍ وتسريعٍ للأزمات الاقتصادية والمالية والمعيشية والفتنوية.

إنّ القاسم المشترك بين كل تلك الأمثلة هو خطاب النصر للسيد نصرالله، والتأكد الأمريكي من التطبيق القاسي لقانون قيصر، باعتباره الطلقة الأخيرة، التي تسعى من خلاله للحدّ من آثار النصر السوري ومحور المقاومة. والنزق الذي يطغى على سلوكيات السفيرة الأمريكية في لبنان، أو حتى الخارجية الأمريكية تجاه لبنان، لا ينم عن صلف أمريكي معتاد فقط، بل يدل بما لا يدع مجالاً للشك على العجز وانعدام خيارات القوة الخشنة، وتقوم السفيرة الأمريكية بتطبيق قاعدة الكاتب الدبلوماسي من القرن السابع عشر هنري ووتون "أن الدبلوماسي رجل أمين، أُرسل للخارج ليكذب ويصنع المكائد لخدمة مصالح بلده"، وهناك أطرافٌ محلية وإقليمية، تجعل من كذب السفيرة الأمريكية الصدق المطلق ومن مكائدها الحق المطلق، وهذه الأطراف هي بالمناسبة أحد أوجه العجز الأمريكي، فالصانع حين تثبت أدواته فشلها في كل الساحات، ثم يعجز عن استبدالها وصناعة أدواتٍ أكثر نجاعةً، فهذا يدل على افتقاره للقدرة أولاً، وفقدانه للوقت ثانياً، خصوصاً أنّها أدوات أصبحت أكثر ضجيجاً وأقل فعالية، لذلك تتدخل السفيرة بنفسها كتعويضٍ عن نقص الفعالية.

إنّ في لبنان شيئاً عُجابا فيما يخص التعاطي مع حزب الله، فإن ذهبت الحكومة للتفاوض مع صندوق النقد، يبدون الشماتة بأنّ حكومة الحزب المقاوم تستجدي أمريكا، وإن أقدمت على أيّ قرارٍ لا يتسق مع المطالب الأمريكية، يبدأون باللطم على إدخال لبنان في مواجهةٍ مع قوةٍ عظمى، حتى أن أي سلوك فردي لمواطن لبناني يُشتمّ منه العداء للسياسات الأمريكية، يُتهم حزب الله بدفعه لذلك، حتى لو كان هذا المواطن يتحدث عن أكلته المفضلة، ولو قام الحزب مثلاً شأنه شأن أي حزبٍ لبناني بإبداء التأييد أو الرفض لموقفٍ ما، فتأييده يعني أنّه الفاعل ورفضه يعني أنّه ضد السيادة وضد عروبة لبنان وتهديد للعيش المشترك، كما حدث مع القاضي محمد مازح، حيث أيَّد تجمع المحامين في حزب الله قراره، بخصوص منع وسائل الإعلام المحلية من استصراح السفيرة الأمريكية، ورغم أنّ القاضي أقسم أيماناً مغلظةً بأنّه اتبع القانون حصراً، وأنّ قراره بعيدٌ عن السياسة، وأنّ أحداً من حزب الله لم يتصل به، إلّا أنّ أصحاب الضجيج محلياً وإقليمياً يصرون على وضع الأمر في سياق سيطرة الحزب على القضاء، واستخدامه في معارك لا علاقة للبنان بها. ولنا أن نتخيل أنّ العقل السياسي لحزب الله يعمل على ردات الفعل، أو يعمل قياساً على الخواطر والألسنة، سيبدو الأمر أشبه بسيرك، ولن تكون الولايات المتحدة بحاجة لمواجهته وتكلف عناء استهدافه، ولكن ما على السفيرة وإدارتها و"إسرائيلهم" إدراكه، أنه من الأفضل أن تبقى القنابل التي تفجرها قابلة للتجنب والتجاوز..

 

لبنانالولايات المتحدة الأميركية

إقرأ المزيد في: نقاط على الحروف

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة