زمن النصر

خاص العهد

آلية "ضخ الدولار" تتعثر.. "عطش" للدولارات وعرض "خجول"

16/06/2020

آلية "ضخ الدولار" تتعثر.. "عطش" للدولارات وعرض "خجول"

ياسمين مصطفى

بالأمس حصل أحد كبار تجار اللحوم على مبلغ وقدره 50 ألف دولار من الصرافين الشرعيين في اليوم الأول من تطبيق آلية "ضخ الدولار في السوق" المتفق عليها بين مصرف لبنان والمصارف والحكومة اللبنانية. المبلغ المحدود لم يكف التاجر لتغطية تكاليف استيراد ما يلزم السوق المحلي من اللحوم، ما اضطره للجوء إلى السوق السوداء لتجميع ما تبقى من حاجاته من الدولار. ما تقدم هو عينة من معاناة التجار والمستوردين رغم سريان الآلية الرسمية الهادفة للجم ارتفاع سعر الصرف.

هذا الواقع لا يبشر بالخير في تقييم الآلية المستحدثة، فقد سجل سعر الصرف في السوق السوداء اليوم الثلاثاء ارتفاعًا ملحوظًا إذ تراوح ما بين 4400 و 4600 ليرة لبنانية للدولار الواحد، بعدما تراوح أمس بين 4200 و 4300 ليرة، في مقابل إعلان نقابة الصرافين تسعيره لليوم الثلاثاء حصرا وبهامش متحرك بين الشراء بسعر 3860 حدا أدنى والبيع بسعر 3910 حدا أقصى.

وجود كتلة نقدية ضخمة بالليرة في السوق مقابل وجود كتلة نقدية بقيمة 5 مليارات دولار في حوزة المواطنين يجعل بلا شك تحدي خفض سعر صرف الدولار استحقاقا صعبا، يضاف إليه ضآلة المبالغ التي ضخها المركزي في السوق والتي لم تتعد قيمتها 4 ملايين دولار، وعدم تغطية التجار في مختلف القطاعات من هذه الدولارات، ومحدودية المبلغ المعطى للأفراد بقيمة 200$ أسبوعيا، وما يرتبط به من تقديم أوراق تُثبت الحاجة الملحة للدولار. بنود الآلية هذه وصفها البعض بـ"البهلوانية"، إذ تفترض حُكما لجوء التجار والمواطنين على حد سواء إلى السوق السوداء.

الخبير الاقتصادي عكوش: الآلية عاجزة عن لجم المضاربات

لخبراء الاقتصاد من عملية "ضخ الدولار في السوق" نظرة تشاؤمية. في حديث لموقع "العهد" الإخباري يحيل الخبير الاقتصادي د. عماد عكوش السبب إلى كون "الدولارات تلبي الحاجات الفردية في السوق الصغير، أي سداد أقساط الجامعات أو دفع رواتب الخدم أو استيراد بعض السلع الغذائية، في حين أن السوق الكبير يشهد مضاربات يومية، تُوظف فيها الكتلة النقدية الضخمة بالليرة بقيمة 17 ألف مليار وما يعادلها من 5 مليارات مخزنة في المنازل".

يشير عكوش إلى كون الكثير من التجار ملزما باللجوء إلى السوق السوداء لأن الصرافين الشرعيين لا يمدونهم بالمبالغ المطلوبة لتمويل تجارتهم. ما تقدم يدفع عكوش إلى السؤال عن مدى قدرة 5 إلى 7 ملايين دولار التي أعلن المصرف المركزي ضخها يوميا على تلبية الكتلة الضخمة بالليرة. وعن سبب وجود هذه الكتلة النقدية بالليرة بين أيدي الناس، تلك التي زادها تعميم المصرف المركزي بضخ مبالغ بالليرة في السوق مسبقا بدلا من ضخ الدولار.

عملية اعتقال صرافين لقيامهم بالمضاربة شهدناها مؤخرا ورغم ذلك استمر سعر صرف الدولار بالارتفاع، كذلك إلزام مصرف لبنان الصرافين الشرعيين بتحديد سعر الصرف لم يلجم الارتفاع في السوق السوداء. من هذين المعطيين ينطلق عكوش ليؤكد أنه طالما بقيت الكتل النقدية الضخمة الليرة والدولار موجودة في السوق دون حل من الحكومة فلن تنجح عملية ضخ الدولارات في السوق. برأيه فإن المضاربات قائمة ومستمرة كون الناس متعطشة لطلب الدولار مقابل شح في العرض، ما يعني أن سعر الصرف لن يثبت وسيستمر صعودا.

أما بند طلب المستندات والأوراق المثبتة للحاجة للدولار فوصفها الخبير الاقتصادي بـ"الممتازة"، لكنها ليست كافية". برأيه إن عمليات بيع الدولار وشرائه قبل انطلاق عملية ضخه في السوق كانت تتم خارج إطار الصرافين الشرعيين". ويضيف: "صحيح أن العملية تخفف من المضاربات الحاصلة وتخفف من وصول سعر الصرف إلى أرقام خيالية ورقية كما حصل منذ أيام مع وصوله إلى 7000، لكن هذا لا ينفي أن كل مواطن بات اليوم صرافا يبيع ويشتري وفق السعر الذي يستسيغه بفضل التطبيقات الإلكترونية والسوق السوداء".

ما تقدم يستوجب الحديث عن الغرفة المنشأة في المديرية العامة للأمن العام لضبط السوق وملاحقة المضاربين، لكنها هي الأخرى وفق عكوش تعد أسلوبا بوليسيا لا ينفع في بلد ذي اقتصاد حر مثل لبنان.

ولدى الحديث عن الحلول، يرى عكوش أنها تبدأ بـ"إيجاد تصريف للكتل النقدية الموجودة بين أيدي المواطنين والتي تتسبب بمضاربات كثيفة، وثانيا باستعادة ثقة المواطن بالقطاع المصرفي عبر مجموعة تعاميم من قبل المصرف المركزي، ثم قرارات سياسية جريئة لتعزيز الاقتصاد اللبناني وتحويله إلى اقتصاد منتج لا ريعي، عبر تحقيق التوازن في ميزان المدفوعات، الذي سجل عجزا منذ العام 2011 وصولا إلى فقدان السوق اللبناني لـ65 مليار دولار تم تهريبها للخارج، وهي كفيلة بهز اقتصادات كبرى الدول فكيف باقتصاد لبنان المتهالك أصلا"، يختم عكوش.

نقيب الصرافين مراد: مكتب الصرافة الخاص بي عاجز عن تلبية الطلب على مبلغ الـ200$ للمواطنين

أمام مكتب نقيب الصرافين محمود مراد وقفت طوابير من المواطنين مطالبين بمبلغ الـ200 دولار لسد احتياجاتهم بالدولار ودفع المتوجبات، لكن الكثير منهم وقف طويلا. السبب أن المبالغ في حوزة مراد لا تكفي للطلب المرتفع على الدولار.

الأخير قال في حديثه لموقعنا إن مصرف لبنان لم يسلّمه حتى ساعة كتابة التقرير المبالغ المتفق عليها مقابل ما يبيعه من دولار من جيبه الخاص، وفق قوله. وبالأمس، تسلم مراد من المصرف المركزي 3 ملايين ونصف المليون دولار، في حين كان الاتفاق أن يتم تزويده بـ 5 إلى 7 ملايين دولار يوميًا وهو ما لم يحصل. السبب في التأخير الحاصل وفي المبالغ الضئيلة من الدولار لا يعرفه مراد، ولأجل ذلك طلب موعدا من الحاكم رياض سلامة.

إضافة إلى ضآلة الكميات بالدولار الموضوعة في السوق أمس واليوم، تم وفق قول مراد تأجيل إطلاق المنصة الإلكترونية "الموعودة" إلى 26 من الشهر الحالي. لا يعرف مراد أيضا السبب في ذلك وينقل عن المعنيين تبريرهم بأن السبب "تقني"، المعوقات هذه دفعته إلى تصوير هوية كل طالب للدولار حتى لا يطلب الفرد نفسه مرات عدة في اليوم أو خلال الأسبوع 200$ في كل مرة. وفي ما يخص الشروط للحصول على الدولار فيشير مراد لموقعنا إلى أن ورقة من 30 شرطا يتم تحضيرها وسيتم إطلاقها بعد اجتماع النقابة اليوم و"حينها يمكن للجميع الاطلاع عليها".

ورغم كل المشاكل التي تعترض الآلية المستحدثة لضخ وتوزيع الدولار في الأسواق، يرفض مراد الرأي القائل بفشلها. ويقول لموقعنا:" التجربة لا تزال حديثة العهد ولذلك لا يصح تقييمها من اليوم الأول لانطلاقها".

المطلوب بحسب مراد استعادة المصارف ثقة المواطنين اللبنانيين حتى يضعوا ما بحوزتهم من دولار في السوق لتعديل ميزان العرض والطلب. كما يتفاءل مراد بموعد فتح المطار في الأول من تموز لتعزيز السوق اللبناني بالدولار الطازج المتدفق من الخارج، من جيب المغتربين اللبنانيين والسياح والمستثمرين الأجانب.

رئيس المجلس الاقتصادي الاجتماعي عربيد: لإعادة النظر بعملية ضخ الدولار في الأسواق

رئيس المجلس الاقتصادي الاجتماعي شارل عربيد يتخوف من أن يؤدي الشح بالدولار في السوق اللبناني إلى إقفال الكثير من المحال التجارية وتدهور حركة الدورة الاقتصادية مع حالة متقدمة من التضخم المالي. في حديثه لموقعنا، يؤكد أن "العملية بحاجة لإعادة نظر وجدية في التعاطي إذ لا يكفي التنظير بآلية وعدم تنفيذها". أما عملية "سحب الدولار من السوق" فبرأي عربيد هي أكبر بكثير من التوقعات نظرا للطلب الكبير على العملة الخضراء، وفي حال لم يتم توقيف مزاريب الهدر فإن كل الآليات على غرار المستحدثة لن تنفع في لجم ارتفاع سعر الصرف".

لبنانالدولار

إقرأ المزيد في: خاص العهد

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة