imad

خاص العهد

خطة التعافي المالي: خطوات تقتحم المحظورات

21/05/2020

خطة التعافي المالي: خطوات تقتحم المحظورات

فاطمة سلامة

يتفق الجميع على أنّ لبنان يعيش وضعا اقتصادياً ومالياً يكاد يكون غير مسبوق. كيفما اتجهنا نجد من يُعبّر عن هذه الحقيقة رسمياً وشعبياً. ومن هذا المنطلق، ولدت خطة التعافي المالي التي أقرتها الحكومة مؤخراً. وكأي خطوة، دخلت هذه الخطة في ميزان الترحيب والانتقاد. البعض رفضها ورجمها في مهدها. البعض الآخر سجّل ملاحظات وتحفظات على هامشها، وهذا أمر طبيعي. إلا أنّ مقاربة الخطة بموضوعية وبعيداً عن المزايدات تدفعنا الى الإيمان بسلّة إيجابيات احتوتها افتقدها لبنان على مدى عقود. الايجابية الأولى ربما تتمثّل في الشكل، حيث تمكّن لبنان البلد المنهك بماليته واقتصاده ونظامه، تمكّن من إقرار خطة متكاملة في أصعب الظروف وأحلكها. تمكّن من إنجاز خارطة طريق في أيام الشدة، لم تتمكّن من إنجازها الحكومات في أيام الرخاء. 

فضل الله: أهم ما في الخطة أنها كاملة وشفافة 

رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق الدكتور عبدالحليم فضل الله يؤكّد في حديث لموقع "العهد" الإخباري على العديد من الإيجابيات التي احتوتها الخطة. برأيه، لعلّ أهم ما في الخطة أنها كاملة وشفافة أكثر من كافة الخطط التي وضعت سابقاً. هذه الخطة وضعت الاصبع على الجرح، وامتلكت الجرأة الكافية لتحديد الخسائر في القطاع المالي. هذه الخسائر غالباً ما كان يتم تجاهلها وغض الطرف عنها، إلا أنّ الخطة حددتها بـ240000 مليار ليرة، وهذا التحديد كان منطلقاً جيداً للنقاش. 

امتلكت قدراً من الدقة في توزيع الخسائر

ومن ايجابيات الخطة، وفق فضل الله أنها امتلكت قدراً من الدقة في توزيع الخسائر على ثلاث جهات؛ المالية العامة، القطاع المصرفي، ومصرف لبنان، والمقارنة بينهم. كما تطرقت الى المحاور الأساسية للأزمة سواء لناحية أزمة المالية العامة، أو أزمة القطاع المالي بما فيه فجوة الصرف الأجنبي والخسائر على مستوى العملات الأجنبية، بالاضافة الى موضوع سعر الصرف، آخذةً بعين الاعتبار المتطلبات الاقتصادية للنهوض. 

 

خطة التعافي المالي: خطوات تقتحم المحظورات

 

ويُشدّد فضل الله على أنّ الخطة وضعت إشارات على المستوى الاقتصادي، وتوصيات واقتراحات قطاعية للصناعة والزراعة والخدمات على أنواعها، طبعاً هذا الأمر غير كاف -يقول فضل الله- لكنه يوضح أنه جرى التأكيد أن الشأن الاقتصادي ستتم مناقشته بالتفصيل لاحقاً، على اعتبار أنّ هذه الخطة للانقاذ قبل أن تكون خطة لإعادة بناء الاقتصاد اللبناني. ويلفت فضل الله الى أنّ فقرات الخطة أشارت الى مقترحات ذات طابع اقتصادي تفصيلي كتخصيص 10.6 مليار دولار للقطاعات الانتاجية للاستفادة من التمويل المتوفر، كما تحدثت عن خمس رخص جديدة لمصارف بـ200 مليون دولار هدفها تمويل قطاعات الانتاج، فضلاً عن صناديق لتمويل الحاجات الانتاجية كصندوق الاوكسيجين الذي يؤمن تمويل بحدود الـ700 مليون. برأي فضل الله، هذه الاشارات والتوصيات مفيدة لكنها تحتاج الى توسيع أكثر. 

الخطة جريئة في توزيع المسؤوليات 

وحول توزيع المسؤوليات، فقد كانت الخطة جريئة -وفق قناعات فضل الله- وإن كان ما تم طرحه يحتاج الى المزيد من النقاش. حمّلت الخطة ثلاث جهات المسؤولية للخروج من أزمة الخسائر. المالية العامة والقطاع العام الذي سيقوم بإجراءات كبيرة لخفض العجز وصولاً الى فائض أولي يساوي حوالى 2 بالمئة من الناتج بالاستفادة من التمويل الخارجي. وقد طالبت الخطة هذا القطاع بخفض النفقات الى أقصى حد دون الاضرار بالوضع الاقتصادي والمس بالحاجات الاساسية الاجتماعية.

أما الطرف الثاني لتحمل الأزمة، فهي المصارف لأنها مسؤولة عن الأزمة. برأي فضل الله أدارت هذه الجهة المخاطر بطريقة خاطئة وأوصلت الوضع الى ما نحن عليه. ومن هنا فإن مسؤوليتها تتبدى وفق الخطة بالدرجة الاولى من خلال شطب رساميلها والطلب منها اعادة تكوين رساميلها مجدداً. 

ويأتي المصرف المركزي كطرف ثالث. يوضح فضل الله أن الخطة تحتوي على اقتراح بإنشاء صندوق لإدارة أصول القطاع العام توضع بداخله الأصول التجارية للقطاع العام ويدار ويستفاد من عوائده لإعادة ترميم خسائر مصرف لبنان وإعادة تكوين موجوداته. 

طرحنا فكرة استرداد الأموال المشبوهة لحل مشكلة الودائع 

ومن الايجابيات، وفق فضل الله أنّ الخطة تطرقت الى قضية الدين العام ووضعت مجموعة من المقترحات لخفضه عبر إعادة هيكلة الدين العام الخارجي بالليرة والدولار. كما انطلقت في قضية المودعين من نقطة لا تزال خاضعة للنقاش وهي عدم المس بالودائع الاساسية أي أصول الودائع، مع فتح الباب أمام استرداد الفوائد المتراكمة والتي هي زائدة. نحن من طرحنا هذه الفكرة وأيدناها -يقول المتحدّث- وذلك انطلاقاً من مبدأ أن حل مشكلة الودائع وإعادة تكوين موجودات المصارف التجارية وإعادة الحقوق للمودعين، كل هذه الأمور تتم من خلال استرداد الأموال المنهوبة واسترداد الأموال المشبوهة. الأخيرة تتنوّع بين أموال المستفيدين من امتيازات في القطاع العام، أي العاملين داخل القطاع العام والذين راكموا ثروات، أو أموال متعاملين مع القطاع العام، أو متعهدي القطاع العام والدولة والجمهورية، أو من لديهم امتيازات من الدولة. هؤلاء يجب أن يتم التعامل معهم بطريقة مختلفة -بحسب فضل الله- إن كان لجهة فرض ضرائب ثروة أو غيرها، وهذا مدخل لاعادة تكوين أصول المصارف بطريقة أفضل. 

ويُشدّد فضل الله على أن هذه النقاط التي أتت على ذكرها الخطة هي نقاط جريئة. لافتاً في الوقت نفسه الى ضرورة الدخول في التفاصيل. بالتأكيد هذه الخطة هي إطار إيجابي للنقاش لكن علينا التوسع بالخطوط العامة لأن هناك اجراءات تفصيلية ينبغي الوصول اليها وتطبيقها اما من خلال مراسيم أو إقرار قوانين، وهذه العملية ينبغي ان تتم بأسرع وقت ممكن. 

تحرير سعر الصرف الرسمي سيكون له انعكاسات اجتماعية

وفي معرض مقاربته للخطة، يوضح فضل الله أنّ هناك نقطة أخيرة تتعلق بتحرير سعر الصرف الرسمي. هذه النقطة لا تزال خاضعة للنقاش، حيث إن هناك وجهة نظر تطالب بتوحيد السعرين. بالنسبة الينا كحزب الله لا نزال نتحفظ على هذه النقطة، ونعتبر أن ما يسمى بتحرير سعر الصرف الرسمي سيكون له انعكاسات اجتماعية اذا لم نتعامل مع التداعيات الاجتماعية فهذا الامر سيشكل خطرا. ومن هنا، يشدد فضل الله على ضرورة التريث بهذه الخطوة ودراستها جيداً.

حزب الله حاضر في كل النقاشات القطاعية 

ويلفت فضل الله الى أنّ حزب الله ومن خلال وزارة الصناعة قدّم استراتيجية وخطة متكاملة نوقشت وستطرح على الحكومة، مشدداً على أنّ الحزب حاضر في كل النقاشات القطاعية، فالحكومة قدمت حزمة لا بأس بها، لكنها تحتاج الى مزيد من الدرس على مستوى القطاعات ولحزب الله رؤيته في هذا المجال. كما يلفت فضل الله الى أن الفترة المقبلة ستحمل نقاشات عدة سواء فيما يتعلق بخطة لبنان الاقتصادية "ماكينزي"، أو بموضوع سيدر الذي تتم مناقشته اليوم والبنى التحتية، كما ستناقش المشاريع الاقتصادية بما فيها تمويل القطاعات الانتاجية. كل هذه المواضيع ينبغي البدء فيها بسرعة يقول فضل الله الذي يرى أن المهمة الاولى والاساسية للخطة هي الانقاذ المالي والنقدي والاقتصادي. 


الخطة تشكّل الاطار الوحيد المتاح

هل سيحل تطبيق الخطة كما هي أزمات لبنان؟ يجيب فضل الله على هذا السؤال بالقول "إنّ الخطة سواء طبقت كما هي أو مع ادخال التعديلات اللازمة عليها واقرار التدابير والاجراءات والمشاريع والمراسيم والقوانين التطبيقية لها، هذه الخطة تشكّل الاطار الوحيد المتاح. طبعاً لا نعني الخطة بنصها حرفا حرفا، لكنها بالمجمل تشكّل إطارا للعمل، وهي ضمن مندرجاتها الاساسية وبعد ادخال ما يمكن ادخاله عليها من تعديلات تشكّل الاطار المتاح للحل. وهنا يُشدد فضل الله على ضرورة إقرار الخطة بوقت سريع جداً، اذ ليس لدينا ترف الوقت والانتظار لأن فرصة الانقاذ ليست كبيرة. علينا جميعا أن نُخرج الخطة من الدهاليز اليومية السياسية والتعاطي معها بجدية مع إمكانية نقاشها وتعديلها دون هدر المزيد من الوقت. وفق قناعات رئيس المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، فإنّه ومع كل دقيقة تمر يزداد ثمن الوقت وتتدفق تبعات الأزمة، وقد نصل الى لحظة لا نستطيع الرجوع. لا يزال لدينا خيار أن لا نرتطم بقاع الهاوية وعلينا أن نغتنم الفرصة، يختم فضل الله.

لبنانحسان ديابخطة التعافي المالية

إقرأ المزيد في: خاص العهد

التغطية الإخبارية

 

مقالات مرتبطة