انتصار ايار

آراء وتحليلات

مصير الإتحاد الأوروبي بعد كورونا التفكك أم الهيكلة؟

03/04/2020

مصير الإتحاد الأوروبي بعد كورونا التفكك أم الهيكلة؟

د. علي مطر

يطرح انتشار وباء الكورونا وطرق التعامل معه، الكثير من التساؤلات حول السياسات الدولية والإقليمية. أحد أكثر الأسئلة جدية تطرح اليوم حول مستقبل الاتحاد الأوروبي، خاصةً أمام ترهل دوله اقتصادياً واجتماعياً وحتى سياسياً وضعفها صحياً في مواجهة الفيروس الذي فتك فيها فتكاً حتى الآن.

يعد الاتحاد الأوروبي أهم تكتل سياسي واقتصادي أوروبي بدأ مساره منذ عام 1951 ومر بعدة مراحل توسع خلالها ليشمل 28 دولة أوروبية، قبل خروج بريطانيا عام 2016. ويعود تأسيس أول تجمع أوروبي إلى 18 أبريل/نيسان 1951 عندما اتفقت ست دول أوروبية -هي فرنسا وألمانيا وبلجيكا ولوكسمبورغ وهولندا وإيطاليا- على تشكيل المجموعة الأوروبية للفحم والصلب التي ستشكل نواة قيام المجموعة الاقتصادية الأوروبية ثم الاتحاد الأوروبي. وفي 25 مارس/آذار 1957 وقّعت تلك الدول على اتفاقية روما التي وسعت مجالات التعاون، وأصبحت المجموعة تحمل اسم المجموعة الاقتصادية الأوروبية.

وفي العام 1973 التحقت كل من المملكة المتحدة والدانمارك، ثم اليونان عام 1981، وإسبانيا والبرتغال في 1986، ثم آيرلندا في 1993، فالسويد وفنلندا والنمسا عام 1995. وفي 7 فبراير/شباط 1992 وُقِّعت معاهدة ماستريخت بهولندا وتم بمقتضاها تجميع مختلف الهيئات الأوروبية ضمن إطار واحد هو الاتحاد الأوروبي الذي أصبح التسمية الرسمية للمجموعة. وابتداء من عام 2004 امتد الاتحاد الأوروبي نحو دول أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حيث انضمت عشر دول جديدة هي أستونيا وبولندا وجمهورية التشيك وسلوفاكيا وسلوفينيا ولاتفيا وليتونيا والمجر، كما انضمت كل من قبرص ومالطا للاتحاد.وفي 2007 انضمت رومانيا وبلغاريا، ووصل أعضاء الاتحاد الأوروبي -حتى 2014- 28 دولة.

لم تشهد البلدان الأوروبية أزمة مثل هذه الأزمة منذ الحرب العالمية الثانية، فقد بيّنت هشاشة الاتحاد الأوروبي في مواجهة الأزمات، إذ اكتفت كل دولة بما عندها ونأت بنفسها عن الأخرى، خاصة الدول القوية في الاتحاد كألمانيا فيما تركت دول أخرى تواجه الموت بمفردها، كإيطاليا أكبر الدول المتضررة من آثار فيروس كورونا، وإسبانيا وفرنسا الدولتان المتضررتان تباعا من آثار الفيروس، ورغم نداءات إيطاليا المتكررة للاتحاد بالمساعدة والتدخل الفوري والعاجل إلا أن الاتحاد الأوروبي لم يستجب إلى حد الآن ولم يعبّر عن التكتل الذي كان ينادي به منذ أن تأسّس، ولم يستجب إلى استغاثة الدول من خارج الاتحاد كصربيا مثلا.

لقد دخلت إيطاليا في مستنقع للموت واستغاثت بدول الاتحاد التي انكفأت في معظمها على نفسها فخذلتها، وهذا ما دفعها ان تلجأ إلى الصين وروسيا لمساعدتها، ومن ثم لتعلن على لسان رئيس حكومتها أن الاتحاد الأوروبي بات أمام خطر التفكك، وإلى جانب ايطاليا عبرت صربيا عن استيائها الشديد عن المعاملة السيئة التي لقيتها من الاتحاد الأوروبي وإحجامه عن المساعدة الفورية، بل وامتناعه عن مدّ يد المساعدة بدعوى أن صربيا ليست دولة عضوًا في الاتحاد الأوروبي، وليست طرفًا في المنظومة الأوروبية. وهذا ما بات ينذر بأن الاتحاد تصدع مع خروج بريطانيا بداية، ومن ثم مع أزمة كورونا، وهو سيكون إذاً أمام حالة تصدع كبيرة سواء بقيت إيطاليا داخله أو أصبحت خارجه، لأن العلاقات القائمة على المصالح لا على المبادئ هي التي تساهم وبقوّة في تفكك الاتحاد الأوروبي.

ملامح التآكل في الجسد الأوروبي  اتضحت مع كون  أبرز المساعدات التي وردت لإيطاليا جاءت من الصين وروسيا،و انعكس ذلك  في ردة الفعل عندما أنزل الإيطاليون العلم الأوروبي ورفعوا عوضاً عنه  أعلام روسيا والصين، في خطوة تنبئ بتحولات في عالم ما بعد كورونا. ومع ذلك فإن كورونا ليس المسؤول عن تلك التصدعات بل سيكون أكثرها مسؤولية إذا لم يكن هو الضربة القاضية، فقد مر الاتحاد  بأزمات عدة مُنذرة بقرب انهياره. حيث شهد الاتحاد أزمات عدة منها الأزمة المالية العالمية عام 2008، ثم بعدها الأزمة الأوكرانية ودخول روسيا لشبه جزيرة القرم مع عجز الاتحاد عن مساعدة أوكرانيا سياسيًا أو عسكريًا، ومن ثم تدفق اللاجئين على الدول الأوروبية بعد سلسلة الاضطرابات التي شهدتها سوريا والعراق، ومن ثم خروج بريطانيا من الاتحاد.

كل ذلك يجعلنا نقول أن القارة الأوروبية ستشهد تحولات كبيرة في الداخل سواء من حيث تعاون الدول فيما بينها أو من حيث نظم الدعم في الأزمات حيث لم يكن الدعم الذي تلقته إيطاليا خلال هذه الأزمة بالشكل المأمول، وستشهد الفترة المقبلة تحولات كبيرة في استراتيجيات الاتحاد الأوروبي، لكن ليس بالضرورة أن يكون الاتحاد كلياً، فيبدو أن أزمة كورونا ستكون الفرصة الأخيرة قبل انفكاك عرى وثاقه، حيث ستكون دوله أمام خيارين إما تفككه أو إعادة هيكلته بما يتناسب مع متطلبات دوله وعالم ما بعد الكورونا.

النظام العالمي الجديدفيروس كورونا

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات