ترقبوا الكلمة المتلفزة للأمين العام 13032020

خاص العهد

في زمن "الكورونا"..عيد الأم لا يُشبه أعيادنا

21/03/2020

في زمن "الكورونا"..عيد الأم لا يُشبه أعيادنا

فاطمة سلامة


لا يشبه عيد الأم هذا العام سابقاته. معايدات وسلامات حارة وقبل توزّع عن بعد. ففي زمن الـ"كورونا" لا مكان للوصال، سوى عبر شاشة الكترونية تُكبّل حركتنا وتحرمنا من مجاورة ذلك الحضن الدافئ. في زمن الـ"كورونا" لا وسيلة ولا حيلة لنا سوى ذلك اللسان نُطلق له العنان ليُعبّر ربما عن مشاعر وأشواق وكلمات مسجونة في زمن الماديات. الفكرة مؤلمة تجعل الفرد منا يعيش صراعاً داخلياً ليس سهلاً، لكنّه سرعان ما يهون أمام سلامة "ست الحبايب" وصحتها. الالتزام بالحجر المنزلي يعني أن يتغلّب عقلنا على عاطفتنا لأجلها فقط، لأجل تلك السيدة التي منحتنا الكثير بلا أي مقابل. والأهم ثم الأهم أن تبقى بلا أي مكروه يتسلّل اليها. وكل يوم تبدو فيه بخير هو عيد، لا بل أجمل الأعياد.

حراجة الوضع تستدعي منا التعامل مع المرحلة بكثير من المسؤولية. علينا أن نفضّل سلامة أحبابنا على أي أمر آخر. بهذه الكلمات تستهل رئيسة لجنة المرأة والطفل النيابية النائبة الدكتورة عناية عز الدين حديثها لموقع "العهد" الإخباري. تروي عناية الابنة كيف استيقظت باكراً وحملت هاتفها للاتصال بوالدتها لمعايدتها. ففي زمن "الكورونا" لا مكان للقاء الجسدي كرمى لعيون أمهاتنا. توضح المتحدّثة أنها ملتزمة بالحجر المنزلي كسائر الناس، لكن طبيعة عملها والمسؤولية الملقاة على عاتقها، قد تفرض عليها الخروج من المنزل. ومن هذا المنطلق وحفاظا ًعلى سلامة أمي المتقدّمة في السن فضّلت أن أبقي مسافة بيننا رغم شوقي الكبير لحضنها وتقبيل يديها. وفي المقابل، تقول عز الدين، طلبت مني والدتي أن لا آتي لزيارتها حفاظاً على سلامتي، وطلبت مني الانتباه جيداً لنفسي في زمن الفيروس المستجد.

في زمن "الكورونا"..عيد الأم لا يُشبه أعيادنا

تتحدّث عز الدين عن مرتبة الأمهات وفضلهن علينا، فتراها تنتقي عباراتها بعناية، ففي حضرة الأم لا مكان سوى لعذب الكلام وطيبه. ومن روايات الأيام، تستذكر بعضاً مما قيل في الأم، حين تنازعت امرأتان على طفل، فحكم الحاكم بقسمته. الأم الحقيقية حينها تبرّعت به للأخرى خوفاً عليه. هكذا هن الأمهات مضحيات. تقول عزالدين التي تؤكّد أنهن الأصلب في المجتمع  لأجل أولادهن والحفاظ على مصلحتهم. في الكثير من الأحيان تضع الأم حجراً على قلبها وتدفن عاطفتها وشوقها للحفاظ على صحة أبنائها، تماماً كحال أم تطلب من أبنائها الالتزام بالحجر المنزلي رغم شوقها لهم. وهنا تستحضر عز الدين بعضاً من المحادثة التي دارت بينها وبين والدتها في عيد الأم أجمل الأعياد، اذ طلبت منها أن لا تأتي لزيارتها وأن لا تعرّض نفسها للخطر، فطالما الابنة بخير الأم حكماً بخير.

ولا تنكر عز الدين أن الفرد منا يعيش صراعاً في هذه الظروف ونزاعا ًداخلياً نشتاق خلاله للعودة الى حضن أمهاتنا، ولكن الظروف للأسف حكمت علينا البعد. وترى المتحدّثة أن وسط هذه الظروف على الأمهات وعلينا  مسؤولية كبيرة جداً. علينا أن لا نثبّت تلك المسافة الاجتماعية أو حتى البعد الجسدي عن بعضنا البعض -والذي فرضته الظروف- كمبدأ أو قاعدة، بل علينا أن نردمه بالعاطفة والاهتمام وابتكار وسائل جديدة للتواصل والتعبير عن مشاعرنا. علينا أن نلتزم بالتواصل ونكثّفه بعيدا عن الملل والاحباط، بموازاة الالتزام بالتعليمات الصحية على أعلى المستويات. وفق قناعات عزالدين، فإنّ البعد الذي فرضه علينا فيروس "كورونا" يجب أن نسعى جاهدين لكي لا يتحول الى عزلة اجتماعية. بإمكاننا التعويض بوسائل شتى ومعايدة بعضنا البعض دونما تعريض صحة من حولنا للخطر، سواء عبر الهاتف أو وسائل  التواصل  الاجتماعي أو غيرها.

ورغم كل تلك الفسحة السوداء والشرخ الذي أوجده فيروس "كورونا"، ترى عز الدين أنّه وبكل أزمة هناك نقطة ضوء وعبرة نستلهمها. وهذه الأزمة تشكّل مناسبة لنسترجع فيها معنى الأعياد بروحها الانسانية ومعانيها السامية وقيمها ونعبر لبعضنا البعض بالوسائل المتاحة، بعيداً عن الماديات وتلك الأعياد التي تحولت الى مواسم اقتصادية، بعيداً عن الأعياد التي تسيطر عليها "موضة" الاستهلاك والتي أنستنا البعد الحقيقي للعيد. برأي عزالدين، أزمة "كورونا" هي فرصة للناس الذين يقصرون بموضوع صلة الرحم ليختبروا قيمة الفرص والمساحة والوقت ويكتشفوا كم كانوا مقصّرين. هي فرصة للخروج منها بدروس جديدة نقطع فيها كل العادات غير الحميدة التي اكتسبناها في أوقات الغفلة ونسترجع المعاني الجميلة المفعمة بالانسانية لكل علاقاتنا وأعيادنا.

وفيما تتمنى عز الدين أن يتمكّن لبنان من عبور هذه الأزمة بأقل الأضرار الممكنة، سائلة الله دوام الصحة والعافية للمجتمع اللبناني، توجّه في عيد الأم التحية لوالدتها ولكل الأمهات، وخاصةً أمهات الشهداء، فهذا اليوم صعب جداً على كل أم فقدت عزيزاً لها، ولكن ما يعزيها أن ولدها رفع رأسها ورأس وطننا عالياً، وحقق انتصارات عجزت عنها دول وجيوش العالم. كما تتمنى أن يتمكّن الأبناء من تقدير معنى الأمومة وتضحياتها ويتفكروا لكل المعاني السامية التي تكتنزها، ونحن كسياسيين علينا أن نستلهم معنى الأمومة في عملنا السياسي والعام، تختم عز الدين.

"الجمعة..أونلاين" وأبناء فضلوا صحة أبنائهم على عاطفتهم

حال الدكتورة عز الدين لا يختلف عن حال كثر فضّلوا معايدة أمهاتهم من بعيد لأجلها. البعض حاول اعتماد وسائل أخرى غير الهاتف، فكانت الجلسات العائلية من خلال تطبيقات التواصل عبر الفيديو، لتصبح "جمعة" العائلة بعيد الأم "أونلاين"، وتتحوّل الاحتفالات الخاصة من اللقاء المباشر الى اللقاء الالكتروني، حفاظاً على سلامة الأحباء.

تروي مليكة مصطفى لموقع "العهد" الإخباري كيف أوجد فيروس "كورونا" مسافة بيننا وبين أحبابنا، وبدّل أعيادنا، حتى باتت لا تشبهنا. هي واحدة من الأشخاص الذين عايدوا أمهاتن هاتفياً حفاظاً على سلامتها. قبل اشتداد الأزمة ـ تقول مليكة ـ قرر والداي الالتزام بالحجر المنزلي في القرية. حينها، عايدتها وقدمت لها الهدية، واليوم كررت معايدتي في هذا العيد عن بعد. فأمي وأبي متقدمان في السن ولديهما أمراض مزمنة لا يجوز أن أعرض صحتهما للخطر. يعز على مليكة كثيراُ الموقف لكنها سرعان ما تستدرك صحة أهلي فوق كل اعتبار.

وتستغل المتحدّثة الفرصة لتوجه نداء للجميع بضرورة التصرف بعقلانية بعيدا عن العاطفة، لأن صحة أهلنا تهمنا أكثر من أي شيء آخر، ورغم التزامنا بالكثير من الاجراءات الوقائية، إلا أن الحذر واجب، فعندما نقول لأمنا "أطال الله في عمرك" يجب أن نطبّق هذا الكلام لا أن نردده ببغائياً.

حال مليكة لا تختلف عن حال حسين.ع الذي استيقظ باكراً لمعايدة "ست الحبايب". هاتفها بحرقة وألم يختلجه نظراً للبعد الذي تحول الى أمر واقع فرضته الظروف الصعبة. لكنّ حسين يتحدّث من منطلق الحريص على صحة والدته الستينية، فكل شيء يهون أمام ألمها ووجعها وصحتها.

إذاً، حوّل فيروس "كورونا" الكثير من التفاصيل من حولنا، بدّل أعيادنا حتى باتت لا تشبهنا.  ففي عيد الأم لا لقاء ولا عناق ولا قبلة على الرأس والخد واليد، وكل ذلك لأجل سلامتها، لأجل من قيل فيها يوماً "الجنة تحت قدميها".

عيد الأم

إقرأ المزيد في: خاص العهد