بيروت

#عصحة_السلامة

أطفال مصابون بـ"كورونا".. هكذا يمضون أيامهم في غرف العزل

19/03/2020

أطفال مصابون بـ"كورونا".. هكذا يمضون أيامهم في غرف العزل

فاطمة سلامة
حين يتعرّض أي طفل لوعكة صحية ما يُلازم المستشفى، ويُسمح لأي كان من أفراد أسرته بزيارته، إلا الطفل المصاب بـفيروس "كورونا". هذا الطفل يدخل غرفة العزل مع الكثير من الحذر والدقة. وفي ذلك الكثير من الصور والمواقف المؤلمة. صور لا بد من التوقف عندها في حضرة طفل وجد نفسه فجأة معزولاً عن محيطه، معزولاً عن غرفته الخاصة ولعبته المفضّلة. فلنتخيّل المشهد،  والحال الذي سيكون عليه طفل تشكّل العائلة ملاذه الأول والأخير. طفل اعتاد أن يلعب كل صباح مع أخيه أو أخته، فتراه يبحث يمينا ًوشمالاً علّه يجد أي طيف لهما لكنه يفشل في المحاولة. طفل اعتاد على اللعب ثم اللعب من غرفة الى أخرى بعيدا عن سرير جديد وباب مقفل يقيد حركته. طفل اعتاد كل مساء أن يطلب من أمه قراءة قصته المفضلة ومن أبيه قبلة ما قبل النوم على وجهه. تراه يغفو بين جدران أربعة لا يعرف منها سوى أطباء وممرضين ولا يُسمح له فيها في أحسن الحالات سوى بوجود فرد من أفراد أسرته حفاظاً على سلامة من حوله. قد ينام هذا الطفل على أمل أن يأتي كل أفراد عائلته صباحاً ليأخذوه الى المنزل، ليتفاجأ في اليوم التالي بأطباء وممرضين بالزي الوقائي نفسه.

قصة الأطفال مع العزل لا تشبه حكماً قصص الكبار. انها قصة انسان عاجز يفتقد بعضاً من حب وحنان وعناية خاصة من أم وأب على حد سواء  وربما أخوة. والمؤلم في ذلك كله أنه لا يفقه السبب الذي جيء به لأجله الى المستشفى مهما حاول المحيط تقريب الصورة. لا شك أنه يسأل نفسه أسئلة كثيرة تشبه عقله الصغير. قد يظن لبرهة أنّ العائلة تخلّت عنه تماماً كتفكير طفل ذاهب الى الحضانة في يومه الأول. لكنّ الموقف حتماً مؤلم بأشواط.

في غرف العزل بمستشفى رفيق الحريري الحكومي أطفال مصابون بفيروس "كورونا" وآخرون ظهرت عليهم عوارض ليصبحوا بدائرة المرشحين للإصابة. أطفال تتفاوت أعمارهم، ففيهم من يبلغ من العمر خمس سنوات، ومنهم الأكبر، إلا أنّ القاسم المشترك بينهم هو أنهم أطفال مع ما تعنيه هذه الكلمة من معان. فكيف يبدو حال هؤلاء الأطفال؟ وكيف يمضون أيامهم؟.  

أطفال مصابون بـ"كورونا".. هكذا يمضون أيامهم في غرف العزل
د.محمد شيت

طبيب الأطفال المتطوع في فريق "الكورونا" بمستشفى رفيق الحريري الحكومي الدكتور محمد شيت  يؤكّد في حديث لموقع "العهد" الإخباري أنّ لحظات العزل تمر ثقيلة على الأطفال، وتبدو صعبة جداً، فصحيح أنّ  هؤلاء الأطفال لا يكونون بمفردهم، بل في أغلب الأحوال برفقة أمهم، إلا أنّ الطفل يسأل ويستفسر عن أبيه وكل فرد من أفراد عائلته. الأطفال في حالة العزل يضجرون ويملون ما يدفعهم الى البكاء والتململ، وهنا يلعب الفرد الموجود معهم من الأهل دوراً كبيراً، خصوصاً الأم. ويوضح المتحدّث أن أغلب الأطفال يكونون برفقة أمهاتهم  لأن الطفل المصاب لم يأخذ الاصابة من الخارج، حتى  الطفل المرشح لأن يكون مصاباً لا نستطيع  تركه بمفرده بل تضطر الأم  للبقاء معه مع اتخاذ احتياطات شاملة من لباس وماسك وابقاء مسافة بينها وبينه. فلو جربنا بأي طريقة أن نضع الولد بمفرده بالغرفة لا نستطيع، حتى أن وجود ممرضة بجانبه لمدة 24 ساعة  هو أمر لن يتقبله مطلقاً. وهنا نعيش صراعاً يجعلنا مجبورين على ترك الأم برفقة طفلها بغض النظر اذا مصابة ام لا، حتى أن الكثير من الأمهات لم تتقبل فكرة ترك طفلها بمفرده في العزل. كما أنّ بعض الاخوة الكبار يفضلون البقاء مع أخوتهم الصغار على أن يعرضوا حياة أمهم المتقدمة في العمر قليلاً للخطر.

كم يبلغ عدد الأطفال حالياً في العزل؟ يرفض الطبيب شيت الدخول في الأرقام، فلست مخولاً للإفصاح عن العدد، إلا أنه يشير الى أن نسبتهم أقل بكثير من الكبار. ماذا عن العناية بهم؟. يؤكّد المتحدّث أن أي طفل مصاب بفيروس "كورونا" يتطلب عناية خاصة عن أي مصاب آخر. فالأطفال اعتادوا على بيئة تؤمن لهم كل ما يحتاجونه، أما في المستشفى فمهما سعينا جاهدين لتأمين بيئة مناسبة للأطفال كي لا يشعروا بالفارق بين وجودهم بالمستشفى والمنزل، لن نفلح. في المنزل يمتلك الطفل حريته للخروج من غرفة الى غرفة أو التوجه قليلاً الى الخارج للعب والتقاط الأنفاس أو ما اصطلحنا على تسميته بـ"شم الهواء". برأي شيت أننا مهما تحدثنا عن الأطفال لجهة ادمانهم على الألعاب الالكترونية، يبقى لهؤلاء الأطفال فسحة خاصة يميلون فيها للعب في الخارج بكل حرية. ويتحدّث شيت عن معاناة الأطفال المعزولين في هذا الجانب، فوجود الأطفال في المستشفى يعني أننا نسجن هذا الطفل بين اربعة جدران مهما اتسعت الغرفة ونمنعه من ممارسة لعبته المفضلة. الطفل لا يستوعب هذا الأمر كالكبار مطلقاً بحسب شيت الذي يوضح كونه على تماس مع الأطفال المصابين بالكورونا أنّ  ثمة الكثير من الأسئلة التي توجه الينا من قبل الصغار غير المستوعبين لفكرة العزل.

ما هي هذه الأسئلة؟

يتحدّث شيت بشيء من الحرقة عن أطفال صغار وجدوا أنفسهم فجأة في العزل. هذا الأمر يجعلنا نعطي الكثير من وقتنا لهم ولأسئلتهم في سياق عنايتنا بهم. لا أسئلة محدّدة بل متنوعة حسب كل طفل، إلا أن القاسم المشترك بينها يبيّن مستوى الصدمة التي يعيشها هؤلاء الأطفال. أولى الأسئلة التي وجهت لي ـ يقول المتحدّث ـ كانت خلال اجرائي فحص "الكورونا" لإحدى المصابات من الأطفال. حينها خافت تلك الطفلة مني وبدت مرعوبة من اللباس الوقائي الذي أرتديه، فسألتني ماذا تريد أن تفعل لي؟ يقول شيت إنّه وفي العادة أشرح لأي مريض فكرتي بثلاث دقائق، أما أمام هذه الطفلة فوجدت نفسي مضطراً لأن أشرح لها ما يقارب الـ45 دقيقة لكي أتمكن من إجراء الفحص. حاولت تهدئة روعها وشرحت لها أنني طبيب للأطفال. لكن شيت يشدّد على أننا مهما حاولنا تقريب الصورة لأي طفل لن يستوعب لأن فكرة العزل ليست من عالمه، ولن يتقبل الفكرة. لكننا نحاول قدر الإمكان الهاءهم للقيام بفحص "الكورونا" المزعج جداً والذي يحتاج الى أن يمتلك الطبيب سعة صدر وطيلة بال.

ثاني الأسئلة التي نتعرّض لها من قبل الأطفال، يقول شيت، هي عندما لا يتمكّن الطفل من رؤية أمه أو أبيه أو اخوته، فيسأل " لماذا أمي معي وأبي لا؟"،" لماذا أخي معي وأمي وأبي لا؟". هذه الأسئلة محرجة ومحزنة يقول شيت الذي يكرر حتى وإن كان الطفل برفقة أحد من أفراد عائلته إلا أنّه في هذه اللحظات يسأل عن كل فرد من أفراد عائلته، وهنا نحاول بدورنا أن نقرّب له الصورة عسى ولعل نفلح. كما نحاول أن يعتاد علينا الأطفال المصابون، فنحاول أن لا نبدل الأطباء الذين يتعاملون معهم، كما نحاول لدى خروجنا من غرفة العزل وعندما نصل الى منطقة نظيفة أن نخلع "الماسك" ليرانا الطفل ويتعود علينا.

وفيما يوضح الدكتور شيت أنّ وتيرة شفاء الأطفال أسرع من الكبار، خاصةً أن العوارض التي ظهرت عليهم خفيفة جداً، يوجّه نصائح للأهل لتجنب إصابة أطفالهم، الأهم ثم الأهم النظافة  الشخصية للأطفال، فمهما كان المحيط من المدرسة الى الحضانة نظيفاً يبقى الحذر واجباً لايقاف العدوى. على الأهل غسل جميع الألعاب يومياً والاهتمام جيداً بالنظافة الشخصية، والأهم ثم الأهم الالتزام بالحجر المنزلي لأجل الأطفال أولاً ولأجل كل من نحب ثانياً، فلتبقوا في المنازل، يختم شيت.

الاطفالمستشفى رفيق الحريري الجامعي

إقرأ المزيد في: #عصحة_السلامة

التغطية الإخبارية
مقالات مرتبطة