زمن النصر

آراء وتحليلات

مؤتمر "ميونخ للأمن": أمريكا تدفع نحو حافة الهاوية

19/02/2020

مؤتمر "ميونخ للأمن": أمريكا تدفع نحو حافة الهاوية

إيهاب شوقي

عندما يتحدث السيد حسن نصر الله عن أمريكا ويذكر في خطابه الأخير أنها ليست قدرًا، وأن هناك مواجهة شاملة مطلوبة معها، ويشير الى نقاط الضعف التي تؤلم هذا الوحش، محددًا الأمن والدولار، يكون الخطاب عندها موجهًا الى الجميع، سواء جمهور المقاومة المؤمن بحتمية المواجهة ويقين النصر، أو جماهير قد يكون اليأس وجد مدخلًا اليها واعتبرت أن أمريكا باتت أمرًا واقعًا ولا سبيل لمواجهتها.

كما يعكس خطاب السيد وعيًا عميقًا بمتغيرات الأمور والتوازنات. ولعل الاطلاع على أحدث مؤتمر أمني عالمي بأهمية مؤتمر ميونخ للامن، وكواليسه وعناوين قضاياه وشعاره الرئيس لهذا العام، يؤكد عمق تحليل المقاومة وصوابية خطاب السيد وضرورة الاستجابة له.

كل عام في فبراير/شباط، يجتمع صناع القرار الدوليون في ميونيخ، فهو مؤتمر تأسس عام 1963 كاجتماع ألماني - أمريكي لتبادل المعلومات حول القضايا الأمنية.

وقد انعقد المؤتمر الأخير بين 14 و16 فبراير الجاري، وأوردت الخارجية الالمانية ملاحظتين من الجدير ذكرهما وكما جاءتا على لسان الوزارة:

الاولى: تُظهر مشاركة أكبر وفد أمريكي حتى الآن في حدث هذا العام أن النقاش الألماني - الأمريكي لا يزال ذا أهمية أساسية.

الثانية: توقع المؤتمر السادس والخمسون هذا العام حضور أكثر من 500 ضيف و1300 صحفي، وإن العدد الكبير من المشاركين لا يعكس الأزمات الحالية العديدة فحسب، بل يعكس أيضًا الحاجة إلى تبادل الآراء.

اما بخصوص موضوع مؤتمر الأمن في ميونيخ لهذا العام فقد كان "عدم الاهتمام بالغرب"، والذي يمكن ترجمته باللغة الألمانية باسم "West-Losigkeit". وهو إنشاء لكلمة جديدة من المفترض أنها تصف الظاهرة المزدوجة المتمثلة في شعور واسع بأن الغرب والعالم أجمع يتطورون في اتجاه أقل اهتماماً بالغرب.

وقبل الشروع في الخروج باستنتاجات، نلقي نظرة سريعة على بعض المؤتمرات السابقة وتحديدًا آخر ثلاث سنوات، وما واكب هذه المؤتمرات من تطورات، لعله يكون مفيدا عند الاستنتاج والتوقع للتطور الراهن للاحداث:

1- في العام 2018، نشر مؤتمر ميونيخ الأمني تقريره السنوي حول الأمن في ميونيخ. تحت عنوان "إلى حافة الهاوية - والعودة؟". وكان الموضوع المركزي للتقرير هو ظهور وتيرة متصاعدة من انعدام الأمن، وذلك بعدما اتضح - وفقًا لمعدي التقرير - عدم استعداد الولايات المتحدة الأمريكية للعب الدور القيادي والضامن للنظام الدولي. والذي يطرح بدوره السؤال حول قدرة أوروبا على تكثيف العمل من أجل ضمان أمنها الخاص في بيئة لا تزال تتسم بالتوترات مع روسيا وتنامي القومية.

 ولو لاحظنا أبرز أحداث 2018، نجد أنها كانت تصب في خانة حافة الهاوية بالفعل، فقد انسحب ترامب من الاتفاق النووي وتم نقل السفارة الامريكية للقدس المحتلة، وجرى تدشين الحرب التجارية مع الصين، ولفقت تهم للروس بتسميم عملاء في بريطانيا وحدثت ازمة دبلوماسية كبرى بين روسيا ودول اوربا، كما شهد العام صعودا شعبويا في انتخابات عدد من دول اوروبا مثل ايطاليا والمجر. كما صعد اليمين في البرازيل وظهرت السترات الصفراء في فرنسا، وتمت المصادقة على اتفاق بريكست، وليتأمل المتأملون.

2- في العام 2019، حلل تقرير الأمن في ميونيخ إعادة تنظيم المكونات الأساسية للنظام العالمي. وبالإضافة إلى الولايات المتحدة والصين وروسيا، سلط التقرير الضوء على ما وصفها التقرير بالعناصر الفاعلة من "الطبقة الثانية" وهي الديمقراطيات الليبرالية مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وكندا واليابان.

وقال التقرير إن النظام العالمي الليبرالي بأسره يبدو أنه ينهار وأن الوضع الأمني العالمي أصبح الآن أكثر خطورة من أي وقت مضى منذ انهيار الاتحاد السوفياتي.

 وبالنظر الى أبرز أحداث 2019 فإننا نجد محاولة فرض الليبرالية بالقوة عبر الاحتجاجات التي شملت دول العالم بشكل لافت، في امريكا اللالتينية في هاييتي والاكوادور وتشيلي وبوليفيا، وعربيا في السودان والجزائر والعراق ولبنان، وفي المحيط الصيني في هونج كونج، كما كان اهتمام لافت بالملف الليبي المتعلق بالهجرة والانفلات في عمليات التسليح.

3- مؤتمر هذا العام، طرح أسئلة جديدة، وهي، هل أصبح العالم أقل انتماءً للغرب؟ هل أصبح الغرب نفسه أقل "غربية"؟ ماذا يعني انسحاب الغرب كممثل تنظيمي؟ ما الذي يمكن أن تبدو عليه إجابة الغرب على التنافس بين القوى الكبرى؟

وسلط تقرير الأمن في ميونيخ لعام 2020 الضوء على ظاهرة "التململ".، وتحت عنوان "غربلة"، كرس المؤتمر هذا العام لوصف الأزمة الحالية في الغرب، وجاء مصطلح "غربلة" للتعبير عن شعور واسع بعدم الراحة والقلق في مواجهة حالة عدم اليقين المتزايدة حول مستقبل ومصير الغرب.

وهنا يمكننا من خلال تتبع مؤتمر ميونخ وانعكاساته الواقعية على الاحداث أن نتنبأ بتباعد أمريكي أوروبي وصعود للقوميات الاوربية وما يقترب من حرب ثقافية لنشر الثقافة الغربية، وربما يتم التوجه لثورات مختلفة على التبعية لامريكا وما تسببت به من انهيار للقيم الاوربية وعلاقاتها مع الشرق.

وربما ذلك هو سر الحضور المكثف للامريكيين على خلفية وعيهم لهذا التململ الاوربي الذي نتج عن التبعية وتداعياتها. وربما لخص تلفزيون "دويتشه فيله" في تقرير له هذا الخلاف عندما قال نصا: "يواصل مؤتمر ميونيخ عقد جلساته لليوم الثاني حول القضايا الأمنية الدولية. واتضح حجم الخلاف بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية حول الدور الذي تلعبه أمريكا في استقرار الأمن العالمي".

هذه فرصة لشعوب المنطقة لابداء حتى التململ رغم أن ما حدث لاوروبا لا يقارن بحجم الجرائم التي ارتكبت في منطقتنا. لعل كلام سيد المقاومة لخص كثيرا مما صاغه خبراء الامن الدوليين وربما لم يجرؤوا على التصريح به، عندما اشار الى ضرورة المواجهة الشاملة وان امريكا تلجأ إلى كل الوسائل المتاحة من أجل فرض هيمنتها وخططها وأن المواجهة الأساسية لا فرار منها، مع الطرف الآخر الذي يبادر ويهاجم ويعاقب ويحاصر الشعوب التي ترفض الاستسلام وهي ما توصل اليه الخبراء من أن امريكا وراء حافة الهاوية والعبث بالاستقرار العالمي.

 

واشنطن

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات