بيروت

نقاط على الحروف

سوداننا والبرهان وسقوط القلاع

07/02/2020

سوداننا والبرهان وسقوط القلاع

ايهاب زكي

لا شك أنّ فلسطين كانت تنتظر عبد الفتاح البرهان فاتحاً على صهوة التاريخ، لذلك فنحن نهاجمه ونرجمه، لأنّه مارس أسوأ العادات وهي الإخلاف بالوعد، فبعد لقاء البرهان رئيس المجلس السيادي في السودان برئيس وزراء العدو بنيامين نتن ياهو، استفاقت فلسطين على السؤال الصعب، "مين البرهان؟"، فهي فعلاً لا تعرفه ولم تسمع به من قبل، أمّا نحن كجمهور وشعوب من كل المشارب على هذه اليابسة بين الماءَئين، فحين ندين ونستنكر فعلة البرهان فهذا كون الشعب السوداني شعبًا عريقًا وهو منّا ونحن منه، وأنّ فعلة البرهان سيدونها السودانيون على جباههم، لأنّها حقاً شأنٌ سودانيٌ داخلي، لأنّها فعلةٌ عديمة الأثر على فلسطين، فالبرهان يريد عرش السودان عبر نتن ياهو، ونتن ياهو يريد السودان عبر البرهان ورقةً في صندوقه الانتخابي. ويهولنا -من الهول- أنّ يكون السودان بكل ما أوتيَ من تاريخٍ وقيمٍ وكرامة، مجرد ورقةٍ في صندوق، وهذا مناط استنكارنا لفعل البرهان، وليس كون البرهان أضاع فرصتنا لتحرير فلسطين أو حتى أخّره، فلفلسطين رجالٌ تعرفهم من أفق عيونهم وشكل سباباتهم  ورائحة بنادقهم.

إنّ العلاقات السودانية - "الإسرائيلية" ليست وليدة رحم البرهان، بل ترجع لثمانينيات القرن الماضي، حين ساهم نظام النميري في مخطط ترحيل الفلاشا. وقد ذكر وزير دفاع العدو- رئيس وزراء لاحقاً - ارئيل شارون في مذكراته تفاصيل لقائه بالرئيس السوداني حينها جعفر النميري، حيث التقاه للمرة الثانية في جنازة الرئيس المصري أنور السادات. وكان اللقاء الأول عبر الوسيط السعودي عدنان خاشقجي، حيث اللقاء الذي مهد لعمليات نقل الفلاشا، وحين تم الكشف عن صفقة الترحيل في الصحافة العالمية، طلب النميري من الولايات المتحدة و"إسرائيل" تجميد العملية وعدم كشف دوره، ولكن من يدخل مستنقع الوحل لا يعود مالكاً لترف وضع الشروط، فمارست الولايات المتحدة ضغطاً على النميري، فبعد زيارةٍ لنائب الرئيس الأمريكي آنذاك جورج بوش إلى الخرطوم عام 1985، تم استئناف عمليات الترحيل، ثم انقطعت العلاقات وتوقفت صفقة الترحيل مع مجيء عمر البشير بانقلاب عسكري عام 1989، وتمت محاكمة بعض رموز حكومة النميري وضباطه الأمنيين بتهمة المشاركة في صفقة ترحيل الفلاشا.

ومارس نظام البشير تشدداً تجاه "إسرائيل" وانخرط في علاقات مع جهاتٍ معادية لها، وظل نظامه يتعرض لضغوطٍ شديدة لإعادة ملف التطبيع إلى سكّته، وظل الملف حاضراً في جميع جولات التفاوض بين نظام البشير والولايات المتحدة، جولات التفاوض حول مكافحة الإرهاب خصوصاً بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، وكانت الشروط الأمريكية واضحة لرفع السودان من قائمة الدول الداعمة للإرهاب، وهي قطع العلاقات مع إيران وحماس والبدء بتطبيع العلاقات مع "إسرائيل"، وهذا ما تم بالفعل، حيث قام السودان بقطع العلاقات مع إيران ومع حماس، وأرسل إشاراتٍ إيجابية عبر وزير خارجيته حينها إبراهيم غندور الذي لم يستبعد مناقشة التطبيع مع "إسرائيل" أثناء مفاوضات رفع العقوبات مع الولايات المتحدة. كما سرّب موقع ويكيليكس حديثاً لمستشار الرئيس المعزول عمر البشير مصطفى عثمان اسماعيل، أنه اقترح على الولايات المتحدة أن تتضمن عودة العلاقات مع واشنطن تطبيع العلاقات مع "تل أبيب"، وقد كُشف مؤخراً عن لقاءات كان يجريها من كان يُعرف برجل السودان القوي رئيس مجلس الأمن القومي في نظام البشير صلاح كوش، لقاءات بضباطٍ "إسرائيليين".

من المفارقات التي لا تدعو للعجب، أنّ البدايات البائسة لهذه العلاقات منذ الثمانينات بدأت في الرياض، وهي اليوم بعد أربعة عقود تنطلق من ذات النقطة في الرياض وإن بشكلٍ أكثر جرأة، حيث دفع النظام السعودي وقتها من خلف الستار بالملياردير السعودي عدنان خاشقجي ليكون الواجهة، أما اليوم فالقصر الملكي بذاته هو المنخرط في دفع المجلس السيادي في السودان لذات الطريق، والفرق هو مسألة الخجل حصراً، فالنميري شعر بالخجل وطلب عدم الكشف عن دوره. والنظام السعودي كان يبدو خجلاً من خلال الابتعاد عن الأضواء لصالح خاشقجي وذلك بعكس اليوم، فالبرهان لم يخجل والقصر الملكي في الرياض لا يخجل أصلاً، والانتقال من الخجل إلى الوقاحة لن يضير فلسطين على المستوى العملي، حتى لا أضخم الأمور وأقول على المستوى الاستراتيجي، فحتى لو فتح بن سلمان أبواب الكعبة وقرأ بصحبة نتن ياهو القرآن بالعبرية الفصحى في جوفها، فلن يضير فلسطين في شيء، ولن يؤخر ولن يقدم في الصراع مع الوجود الصهيوني، وأمّا التهويل الإعلامي عن سقوط قلعةٍ أخرى بلقاء البرهان نتن ياهو، فهو مجرد أداة تثبيط لجماهير مثبطةٍ أصلاً، لأنّها ترى فلسطين من عيون جامعة أبو الغيط، أمّا القلاع التي يحاولون إسقاطها ولم تسقط ولن تسقط فهي في غزة ودمشق وبيروت وبغداد وصنعاء وطهران، وسقوط هذه القلاع أو إحداها هو ما يستحق البكاء دماً، وهو ما يؤثر على استراتيجيات الصراع ومصيره، أمّا سقوط الرخويات فهو تخفيفٌ للحِمل.

السودان

إقرأ المزيد في: نقاط على الحروف