يوميات 1996

خاص العهد

إجراءات "موجعة" للمصارف بحق المودعين.. ما أسبابها؟ 

04/02/2020

إجراءات "موجعة" للمصارف بحق المودعين.. ما أسبابها؟ 

فاطمة سلامة

لم يكن ينقص المودعين الذين رضوا بهمِّ التقنين القاسي على أموالهم في المصارف، حتى يفاجؤوا بتعاميم أشد قساوة. اذ لم يكن يكفيهم سوى مزيد من التضييق على أموالهم المحجوزة، لتذهب المصارف بعيداً في سياسة "الكابيتال كونترول". وبدل أن يرتفع سقف السحوبات ـ كما كان مؤملاً ـ بعد تشكيل الحكومة، خفّضت المصارف السقف المسموح به نحو 50 بالمئة دفعةً واحدة مع مطلع الشهر الحالي. اذ أدرجت بعض المصارف تحت عنوان "وضع شروط جديدة على السحوبات بالدولار والليرة اللبنانية"، جداول حدّدت فيها المبلغ المسموح سحبه كحد أقصى تبعاً لرصيد الحساب. أما المفاجأة التي توقّف عندها المودعون فتجلّت في تقنين السحب مرة واحدة كل أسبوعين أي مرتين في الشهر بعد أن كانت أربع مرات. فما الأسباب التي دفعت المصارف الى اتخاذ هكذا إجراءات؟ وهل نحن مقبلون على مرحلة ستتخلّف فيها المصارف عن دفع الودائع بالدولار على شبابيك المصارف؟. 

الخبير الاقتصادي الدكتور شربل قرداحي يعزو في حديث لموقع "العهد" الإخباري "التضييق" الجديد من قبل المصارف على السحوبات لعدة أسباب يُلخّصها بالآتي: 

1ـ احتياطات المصارف خارج لبنان تنحسر، فالمصارف اللبنانية تملك احتياطات في الخارج قدّرت قبل الأزمة بحدود الـ9 مليار دولار كسيولة، و10 مليارات دولار كموجودات خارجية، أما الآن فبالتأكيد، انخفضت السيولة بعد استعمال جزء منها. والواضح أن لا نيّة لاستعمال البقية، خاصة أنّ الدولارات يتم شحنها وبالتالي تكلّف المصارف بدل تأمين عليها.

2ـ المصارف أودعت جزءاً من أموالها في البنك المركزي، ولا يمكنها استرداده الا تبعاً لشروط، وبالتالي لا مصلحة للمصارف بدفع فائدة مرتفعة بنسبة 20 بالمئة.

بموازاة ذلك، يشير قرداحي الى أنّ مصرف لبنان يقول إنّ لديه 31 مليار دولار، وفي اليومين الماضيين، أعلن مسؤول أميركي أنّ الرقم الحقيقي لاحتياطات البنك المركزي من السيولة أقل بكثير من الرقم المعلن. وهنا يوضح قرداحي أنّنا نعتمد على الرقم الرسمي، ولكن اذا قُدّر لكلام المسؤول الأميركي أن يكون صحيحاً، فعندها ندرك الأسباب الحقيقية لسياسة التضييق التي تنتهجها المصارف. 

حلول جزئية 

ويعرض قرداحي وجهة نظره للحل، واصفاً اياه بالحل الجزئي. وفق حساباته، اذا رفعت المصارف سعر صرف الدولار الى الألفي ليرة، لا يعود هناك ضغط على العملة الورقية من الدولار، اذ ان عددا كبيرا من المودعين يسحبون الأموال ويذهبون بها الى الصرافين لاستخدامها في عملية شراء الحاجات. يؤمن المتحدّث أن هذه الصيغة تشكّل حلاً جزئياً لأزمة الدولار، اللهم الا اذا كان هناك نية لإعادة "رسملة" البنوك من جيوب الناس، ولاحقاً "رسملة" البنك المركزي من ودائع المواطنين للتعويض عن خسائره. 
 
وفيما يتعلّق باستحقاق سندات "اليوروبوند" في آذار/ مارس المقبل، يرى قرداحي أنّ أمام لبنان حلان لا ثالث لهما؛ إما أن يدفع لبنان المتوجّب عليه والبالغة قيمته مليار ونصف المليار دولار اذا ما أضفنا الفوائد الى المبلغ الأصلي، ولهذا الأمر ـ برأي قرداحي ـ آثار سلبية لأننا سنقتطع ما تبقى من ودائع، وإما أن نتخلّف عن سداد الديون وفي هذا الأمر مخاطر متأتية من حملة السندات الخارجية الذين قد يلجؤون الى رفع دعاوى قانونية وحجز أصول وغيرها. وفي هذا السياق، يُشدّد قرداحي على ضرورة الدعوة الى حوار وطني على أعلى المستويات في الدولة لاتخاذ القرار المناسب قبيل الاستحقاق، خصوصاً أن الوقت بدأ يضيق والخيارات محدودة. وهنا يرى قرداحي أنّ بإمكان لبنان التواصل مع الدائنين الأجانب لاقناعهم بقبض الدولارات، وشراء سندات جديدة بثمنها في لبنان. الهدف الأساسي هنا يكمن في ضمان عدم خروج الدولارات من المنظومة المصرفية في لبنان. كما يأخذ قرداحي على أولئك الدائنين المحليين الذين عمدوا الى بيع السندات لأجانب، واصفاً هذا العمل بغير الوطني رغم أنه قانوني. 

المصارف في وضع لا تُحسد عليه!

ولدى سؤالنا مصادر مصرفية عن الأسباب التي دفعتها الى اللجوء لتقييد السحوبات على الودائع، تجيب بلا تردد بالاشارة الى أنّ المصارف في وضع لا تُحسد عليه. فكل ما جنته خلال الثلاثين عاماً، خسرته في هذه الأزمة. وتتحدّث المصادر عن ضائقة تعيشها المصارف لجهة الرساميل. الأخيرة باتت في الدرك الأسفل جراء الخسائر التي منيت بها وسندات الدين للدولة. وعليه توضح المصارف أن العملة الصعبة داخل البنوك أصبحت ضئيلة، ومن هنا جاء التضييق على السحوبات. هل ستمهّد هذه الخطوة الى التوقف عن الدفع النقدي بالدولار نهائياً؟. تجيب المصادر بأنه اذا بقيت الأمور تسير من سيئ الى أسوأ وتعذّر تأمين العملات الصعبة من الخارج، فقد يتم ايقاف الدفع بالدولار على شبابيك المصارف. 

وتوضح المصادر المصرفية أنّ الدولة ومصرف لبنان مطالبان بتقديم سلّة حلول متكاملة واتباع سياسة مالية نقدية واقتصادية واضحة، اذ لا يمكننا القيام بحلول مجتزأة. علينا البدء بتطبيق الاصلاح في قطاع الكهرباء، والاصلاح الاداري، وتطبيق خطة منتجة للقطاعات المختلفة، فضلاً عن اتباع اجراءات كحلول موضعية، كأن يتم تسعير الدولار بألفي ليرة في المصارف لتخفيف الضغط عن العملات الصعبة. 
 
اذاً، تقول المصارف التي جنت أرباحاً خيالية من الدولة على مدى حوالى ثلاثة عقود أنها تعيش أوضاعاً سيئة تدفعها الى تقييد السحوبات، الخطوة التي يدفع ثمنها المودع الذي لا حول له ولا قوة سوى انتظار الفرج، على أمل أن تتمكّن الحكومة الجديدة من فعل أي شيء يضمن ويحفظ للمواطنين حقوقهم بعيداً عن سياسة تضييق الخناق على "شقاء عمرهم".

مصرف لبنانالمصارف

إقرأ المزيد في: خاص العهد

التغطية الإخبارية
مقالات مرتبطة