ترجمات

خيبة ترمب في إيران

21/01/2020

خيبة ترمب في إيران

اليزابث دروا(*)
كشفت المساجلات المتوترة الخطيرة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران الكثير عن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لسياسته الخارجية. والاستنتاج الرئيسي هو أنه ليس لديه أي سياسة خارجية. فالقرارات الخطيرة تتخذ استنادا إلى الحدس فضلا عن دوافع ونزوات كثيرا ما تكون متضاربة ــ على سبيل المثال، السعي إلى التوصل إلى الاتفاق والتهديد باستخدام القوة في ذات الوقت. وإذا كان في الأمر أي رؤية أو فلسفة شاملة، فهي أنه يريد تجنب حرب طويلة ومكلفة أخرى. ومع ذلك، كادت أخطاؤه الغبية تدفعه إلى الانزلاق إلى الحرب على أية حال.
أثناء حملته الانتخابية للرئاسة، وَعَد ترمب بإعادة القوات الأميركية إلى الوطن. وفي بعض الأحيان، رفض ترمب الاستجابة للاستفزازات، وخاصة من قِبَل المجموعات التي تدعمها إيران في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. وعلى هذا فقد تصور الإيرانيون ــ وكل الأطراف الأخرى تقريبا ــ أنه سيستمر في إدارة الخد الآخر. في النهاية، بدأ بعض اليمينيين في حزبه الجمهوري، والأهم من ذلك، بعض المعلقين في فوكس نيوز، يصفونه بالضعف. وهو وصف خطير لترمب: توضح رئاسته لماذا لا ينبغي انتخاب شخص مزعزع الوجدان لمثل هذا المنصب.

تتلخص سِمة أخرى تميز سلوك ترمب في التعامل مع السياسة الخارجية في أنه يحيط نفسه حاليا بزمرة من الأشخاص من ذوي القدرات المتواضعة. فلن نجد بينهم صاحب عقلية متعمقة أو شخصية مستقلة، أو مفكرا استراتيجيا خَلّاقا. في غضون ثلاث سنوات عين ترمب أربعة مستشارين للأمن الوطني، ووزيري دفاع، ووزيري خارجية؛ ولا يزال عدد كبير من الوظائف الرئيسية الأخرى في السياسة الخارجية شاغرة حتى الآن، والدرس الموجه إلى الآخرين واضح: الطريقة الوحيدة للاستمرار في الوظيفة مع ترمب هي عدم معارضته. ويصبح هذا النوع من الإذعان الأعمى أشد خطورة عندما يكون الرئيس محدود الأفق والمعرفة ويفتقر إلى الفضول.

يُنظَر إلى مايك بومبيو، وزير الخارجية المتعالي المغرور، على أنه المتملق الأكثر إنجازا بين كبار مستشاري ترمب. بومبيو عضو سابق في مجلس النواب الأميركي. وهو أيضا عضو بارز في تكتل المنادين بتغيير النظام الإيراني في الكونجرس الأميركي. وقد علمنا أن بومبيو كان يضغط على ترمب لبعض الوقت لحمله على إصدار الأمر باغتيال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني، الذي اعتبرته الولايات المتحدة منظمة إرهابية. وفقا لأحد التقارير، عندما اتخذ ترمب القرار أخيرا بقتل ثاني أكثر زعيم سياسي في إيران أهمية في الثالث من كانون الثاني/ يناير، "كان الفريق الجديد متماسكا وأقل ميلا من سابقيه إلى مقاومة رغبات الرئيس".

في غياب إعلان الحرب ضد إيران، ربما يكون قتل مسؤول أجنبي ــ بواسطة ضربة جوية بطائرة بدون طيار على الأراضي العراقية ــ غير قانوني. لكن مثل هذه التفاصيل الدقيقة لا تزعج ترمب. والدليل على ذلك هو أن ترمب اتخذ القرار دون أي اعتبار للعواقب المحتملة. ومن الواضح أن نظام الأمن الوطني الذي أنشئ في عهد الرئيس دوايت أيزنهاور، والذي كان مصمما لمنع مثل هذه التصرفات المتهورة، جرى تفكيكه إلى أن لم يعد له وجود في حقيقة الأمر، مع وضع قدر متزايد من السلطة بين يدي الرئيس. وإذا كان هذا الرئيس غير متزن، فإن العالم بأسره يواجه مشكلة بالغة الخطورة.

الواقع أن تجنب الحرب الشاملة مع إيران لم يتسن إلا بالكاد، وذلك لأن قادة إيران كانوا أكثر فِطنة ودهاء من ترمب. كانت أعظم خسارة في الأرواح في هذه السلسلة الخطيرة من الوقائع ناجمة عن الحدث المأساوي المتمثل في إسقاط طائرة الركاب المدنية الأوكرانية التي كانت أقلعت للتو من مطار طهران، والذي أسفر عن مقتل كل من كان على متنها (176 شخصا). كانت السلطات الجوية الإيرانية سمحت للطائرة بالإقلاع بعد ثلاث ساعات من إطلاق إيران عدة صواريخ على قاعدة عسكرية عراقية تضم قوات أميركية. أشار هذا الانتقام الموجه بعناية ــ الذي لم يسفر عن مقتل أحد ــ لموت سليماني، فضلا عن رسائل القنوات الخلفية التي حملها السويسريون، إلى أن الإيرانيين يريدون وقف التصعيد الخطير. فهم يدركون أنهم سيخسرون أي حرب مع الولايات المتحدة، ولكن يكاد يكون من المؤكد أنهم قادرون على إلحاق أضرار جسيمة بالأصول الأميركية، بما في ذلك من خلال الهجمات السيبرانية. ويبدو أن ترمب الذي تنفس الصعداء قَبِل رسالة الإيرانيين وحذا حذوهم.

طالب الكونجرس المنزعج بإحاطة من جانب الإدارة بشأن الأساس المنطقي لقتل سليماني، ونظرا للافتقار إلى أي رد، كانت العاقبة وخيمة على ترمب ومسؤولي الأمن الوطني. فقد جرى تقديم تفسيرات متضاربة ومتحولة، وفشلت الإدارة في إقناع المشرعين بأن تهديدا "وشيكا" أجبر الرئيس على القيام بما قام به. الواقع أن هذا، مقترنا بازدراء الإدارة للكونجرس وواجب أعضائه الدستوري الذي يفرض عليهم مساءلة السلطة التنفيذية باعتبار أنهم يتمتعون بالسلطة الدستورية التي تقتصر على المجلس التشريعي في إعلان الحرب، أفضى إلى ظهور تحرك جديد في الكونجرس لكبح جماح سلطات الرئيس في صنع الحرب في حالة إيران. لكن مجلس النواب ومجلس الشيوخ (الذي يسيطر عليه حلفاء ترمب الجمهوريون)، من غير المرجح أن يتفق على نهج موحد، ناهيك عن ابتكار إجراء قادر على النجاة من الفيتو الرئاسي.

من ناحية أخرى، أصبحت العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران أسوأ من أي وقت مضى، في حين خسرت الولايات المتحدة المزيد منذ قتل سليماني. فقد أعلنت إيران أنها لن تستمر في مراعاة أي قيود في إدارة برنامجها النووي، مما يقلل من الوقت المقدر الذي قد تستغرقه لإنتاج رأس حربي نووي من نحو 15 عاما عندما تولى ترمب منصبه إلى خمسة أشهر فقط. والآن تتعرض الولايات المتحدة لضغوط متزايدة لحملها على سحب قواتها من العراق ــ وهو هدف سليماني منذ زمن بعيد. والآن توقف تدريب الجيش الأميركي للقوات العراقية على محاربة تنظيم الدولة الإسلامية ــ وهو السبب وراء دعوة الولايات المتحدة إلى العودة إلى العراق خلال رئاسة باراك أوباما. وبدلا من سحب القوات من الشرق الأوسط، كما وَعَد، تعهد ترمب الآن بإرسال عِدة آلاف أخرى من القوات إلى المنطقة.

في الوقت ذاته، حتما، يدّعي ترمب ومعاونوه النصر ويتهمون المنتقدين بالتعاطف مع إيران بل وحتى مشايعة سليماني الآثم الشرير. في الوقت الحالي، بدأت تظهر علامات تشير إلى أن الرأي العام لم يعد يصدق مثل هذه الادعاءات. إذ يعتقد أغلب الناس أن هذه الواقعة جعلت الولايات المتحدة أقل أمانا، وربما كانوا محقين: فعلى الرغم من تراجع حدة العداء بين الولايات المتحدة وإيران ــ فضلا عن وكلائها العديدين ــ يعتقد قِلة من المراقبين أن الهدوء الحالي قد يدوم.
(*) Jan 13, 2020 / ELIZABETH DREW / Project Syndicate

الجمهورية الاسلامية في إيران

إقرأ المزيد في: ترجمات