نقاط على الحروف

ثنائية السلطة والسيادة

755 قراءة | 09:06

احمد فؤاد

في كل دول العالم الثالث، التي بدأت مسيراتها في ظل نظم حكم وطنية ـ أو شبه ذلك ـ كانت الإجابة عن سؤال الاستقلال حاضرة وكاسحة، بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، كان الاستعمار القديم، الذي أنهكته تمامًا الصراعات الأوروبية يستعد لإخلاء المسرح العالمي، وعلى استعداد للخروج، ومنح قصاصات ورق تثبت الاستقلال السياسي لدول العالم المحتلة آنذاك.

وفي الجهة المقابلة، كانت حركات التحرر الوطني، التي حصلت على الاستقلال، غير جاهزة لإجابة السؤال الأهم "ماذا بعد الاستقلال السياسي"، وتراوحت الإجابات ما بين فشل كامل، وتبعية اقتصادية ـ كاملة أيضًا ـ للغرب، المحتل القديم، لتسقط أغلب أنظمة حكم العالم الثالث بجدارة واستحقاق كاملين، وتصدم المتابعين بين الحين والآخر صرخات قلة تعتبر أن عهود الاستعمار القديم أفضل وأنزه.

يمكن رد الجزء الأكبر من الأزمة ببساطة غير مخلة إلى البنى الاجتماعية والاقتصادية الهشة، التي ورثتها أنظمة الاستقلال، واعتبار خروج المحتل منحة أو مكافأة، إذا ما تم الخروج عن طريق ثورة أو بعمل تفاوضي، ثم النظر للمرحلة التي تليه على أنها مرحلة جني الثمار، وليست فترة بناء محملة بأثقال مسؤولية وطنية أصعب وأشد وطأة، وبالتالي اعتبار الحكم فرصة عوضًا عن كونه اختبار إرادة، فسقطت كل النظريات والآمال في تتابع مريع.

مصر على سبيل المثال لا الحصر، التي خرجت من أسر احتلال بريطاني وعرش أجنبي في مطلع الخمسينيات، مع ثورة فوارة بالأحلام والتطلعات، سرعان ما اصطدم قائدها جمال عبد الناصر بسؤال "ماذا بعد"، وكانت الإجابة هي التقدم، لمحاولة اللحاق بالغرب، وتأكيد الاستقلال الوطني باستقلال اقتصادي مواز، وترك شواهد مجيدة على إمكانيات الفعل العربي والقدرة العربية، إذا ما أحسن التخطيط واستغلال القدرات الكامنة، من السد العالي إلى المصانع وغيرها، لتسقط بعد ذلك الدولة في بركان الانقلاب الساداتي المأساوي، وتبيع قبل توقيعها على "كامب دافيد" كل مكتسبات 20 عامًا من النضال والبناء.

واستكملت أنظمة ما بعد السادات الطريق ذاته، فبدا المجتمع الفوار بالحيوية والحركة شائخًا عجوزًا عند القاعدة، فاسدًا عند القمة، ووصل الطريق إلى منتهاه بمجتمع متحلل، تكاد تلمح انقسامه الحاد أمام أي قضية، مهما بدت فارغة تافهة، مع استمرار العجز عن تقديم إجابة للوضع المزري الحالي، واحتلت المكايدة صدارة الفعل السياسي، ليسقط البلد أمام كل تحدياته الإقليمية، بل حتى فشلت الدولة –نظام ومعارضة- في تقديم إجابة على سد النهضة الإثيوبي، وما يعنيه من تهديد بالعطش والفناء الجماعي.

حديث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى شبكة سي بي إس الأميركية يجدر تحليله من هذا المنطلق، مجتمع فقد بوصلته، وقيادة فقدت خيوط تواصلها مع شعبها، ليكتشف متابعوه أن كل ما جرى فيه تم قوله سابقًا، وفي لقاءات علنية، ولم يأت بجديد سياسة أو حديث قول، فهل لا يعلم كل مصري يقينًا أن كامب دافيد تفرض على النظام الحاكم التنسيق العسكري مع الصهاينة في الأرض المصرية، أم لا يدري أن الصهاينة في قلب القاهرة يفرضون شروطهم قبل أن يقول سلاحهم كلمته في طرف حدودي بعيد.

الانقسام الحاد والمروع الذي يضرب المجتمع جعل من لقاء تلفزيوني قديم وممل فرصة للجميع، فالموالي للسلطة يرى بأن الرئيس رجل لا يشق له غبار، وقادر على تفنيد حجج الغرب ومواجهتهم في عقر دارهم، والمعارض وجدها سقطة أخرى للرجل، تضاف إلى سجل حافل.

الأزمة الحقيقية للقاء أنه كشف عقم خيارات الأنظمة العربية التي تشترك في طريق العجز والمساومة والانكفاء، فكل من هم على رأس النظم العربية التابعة للأميركيين تهمهم السلطة داخليًا، يمارسونها بالحد الأقصى من العنف والسادية على شعوبهم المقهورة، وهم على استعداد لتسليم السيادة كاملة مقابل تلك السلطة، وهي المعادلة التي خرج الغرب بها رابحًا الماضي والحاضر، وربما المستقبل كله.