سليماني

آراء وتحليلات

الصراع على طاقة المتوسط

14/12/2019

الصراع على طاقة المتوسط

سركيس أبوزيد

أثارت الاتفاقية التي وقّعھا رئيس المجلس الرئاسي في حكومة "الوفاق" الليبية فائز السراج والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في اسطنبول حالة من الغضب والاحتقان في عدد من دول أوروبا أولھا اليونان وإيطاليا، وداخل الأوساط السياسية والاجتماعية بمناطق شرق ليبيا.

وفي خطوة تصعيدية جديدة، جدد أردوغان تأكيده استعداد تركيا لإرسال قوات إلى ليبيا إذا طلبت حكومة الوفاق ذلك، لافتا إلى أن تركيا والحكومة الليبية ستبدآن أنشطة التنقيب عن النفط والغاز في منطقة الحدود البحرية، التي تم تحديدھا بموجب مذكرة التفاھم الموقّعة بينھما في 27 تشرين الثاني الماضي.

وأشار أردوغان في مقابلة تلفزيونية مؤخراً إلى أنه يخطط لعقد لقاء مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل زيارته المرتقبة لتركيا في كانون الثاني المقبل لبحث الأوضاع في ليبيا.  وحسب مراقبين فإن المباحثات مع بوتين التي تحدث عنھا أردوغان، تستھدف تغيير موقف الرئيس الروسي المؤيد لحفتر والجيش الوطني الليبي. وعدّ أردوغان مذكرة التفاھم مع حكومة السراج أقوى رد على محاولات اليونان وقبرص تطويق وعزل تركيا في شرق المتوسط، قائلا: "إنه لا يمكن للاعبين الدوليين الآخرين القيام بأنشطة بحث وتنقيب في المناطق التي حددتھا تركيا بموجب الاتفاق مع ليبيا من دون الحصول على موافقة أنقرة".

وردت اليونان فوراً بوصفھا الاتفاق بأنه غير منطقي لأنه يتجاھل وجود جزيرة كريت بين ساحلي ليبيا وتركيا. ولاحظ وزير الخارجية نيكوس دندياس أن الإحداثيات الجغرافية لھذه المحاولة لترسيم الحدود البحرية تؤكد أن ھذا الاتفاق انتھاك سافر لقانون الأمم المتحدة للبحار وللحقوق السيادية لليونان والبلدان الأخرى. وقال: "إن الاتفاق البحري بين ليبيا وتركيا باطل، لأنه جرى التفاوض عليه بسوء نية، موضحاً أنه يمثل تھديدا للاستقرار الإقليمي، وإن اليونان أحالت إلى الأمم المتحدة اعتراضاتھا بشأن ھذا الاتفاق". أما الإيطاليون فقد أبدوا قلقاً متزايداً أيضا، وھم يقولون لليبيين إنھم يرغبون في أن يتم إخطارھم بتحركاتھم، خصوصا الأخيرة مع تركيا، لأنھم يظلون حلفاء ليبيا التاريخيين.

بطبيعة الحال، فإن ردود الفعل على الاتفاقية كانت كبيرة وواسعة وحادة من جانب مصر والسعودية والإمارات التي اعتبرت الاتفاقية لاغية وباطلة، واليونان التي اعتبرت أن الاتفاقية تعتبر قسما كبيرا من الجزر اليونانية، ومنھا كريت، كأنھا غير موجودة وتسرّع الخطوات نحو نشوب أزمة كبيرة في شرق المتوسط.  لكن عنوان صحيفة "يني شفق" يبقى الأكثر تعبيرا، بقولھا: "الآن بدأت اللعبة". تركيا ترى أن الصراع في شرق المتوسط على الغاز ومناطق التنقيب والنفوذ ھو جزء من المعركة لحماية الأمن القومي التركي. تقول صحيفة "يني شفق"، المؤيدة لحزب "العدالة والتنمية"، "إن تركيا بعملياتھا العسكرية الثلاث في سوريا:"درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام"، كانت لضرب مشروع محاصرة تركيا من جانب القوى المعادية عبر الأداة الكردية. واليوم، توجّه تركيا ضربة إلى محاولات محاصرتھا وخنقھا في شرق المتوسط وحرمانھا من حقھا في ثروات الغاز والنفط، وتركيا بذلك تؤسس للعبة جديدة في شرق المتوسط"، بحسب الصحيفة.

اتفاق ترسيم حدود المنطقة البحرية الاقتصادية بين تركيا وليبيا ستكون له إنعكاساته المباشرة والقوية لدى كل دول شرق المتوسط

تركيا، سجلت ھدفا محقّقا في مرمى خصومھا في المنطقة. الاتفاق مع حكومة السراج كان "ضربة معلم" من جانب تركيا، يمكنھا الاعتماد عليھا للمحاججة والمساومة لاحقا مع خصومھا. ضربت تركيا بحجر واحد عصفورين: التعاون الأمني مع حكومة السراج التي يقتصر نفوذھا على العاصمة طرابلس وجوارھا، وترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة في البحر المتوسط بين تركيا وليبيا.

في المقابل فإن هذا الاتفاق يدخل الأزمة في ليبيا في مسار قد يكون تصاعديا، باعتبار أن تركيا، ومن خلفھا روسيا، ستضع ثقلھا لتغيير موازين القوى أو على الأقل عدم خسارة المساحة المتبقية لتركيا ومن معھا. ولا يقتصر ھدف تركيا على خصومھا العرب، بل تسجل نقطة في الصراع أيضا مع دول الاتحاد الأوروبي، ولا سيما فرنسا وبريطانيا، فيما إيطاليا تبدو أقرب إلى تركيا منھا إلى حلفائھا في الاتحاد الأوروبي. وإذا كان التدخل العسكري التركي قائما بالفعل قبل الاتفاق، فإن الاتفاق على حدود المنطقة الاقتصادية البحرية الخالصة بين البلدين سيكون صداه الأكثر ترددا ومضاعفاته الأكثر إثارة للمخاوف في المرحلة المقبلة. فالاتفاق يؤثر مباشرة على صراع النفط والغاز في شرق المتوسط.

وإذا كان البعض يعيد واحدا من أسباب الإضطراب السياسي والأمني في لبنان اليوم إلى الخلاف على ترسيم الحدود البحرية مع العدو الاسرائيلي ورغبته في السطو على غاز لبنان ونفطه في "البلوك 9"، فمطامع الكيان لا تقتصر على الاستيلاء على الأراضي اللبنانية، حيث اتجهت عيونه إلى النفط أيضا. فثمة نزاع على الحدود البحرية حول البلوك النفطي رقم 9، الممتد بمحاذاة ثلاثة من خمسة بلوكات (حقول نفط) طرح لبنان مناقصة لاستثمارها، أوائل العام الجاري. وتقدر حصة لبنان من الغاز الطبيعي، الذي يحتضنه هذا الجزء من البحر المتوسط، بحوالي 96 تريليون قدم مكعب. وهذه ثروة يمكن أن تساعد لبنان على خفض حجم دينه العام، الا ان العدو الاسرائيلي يحاول هذه المرة، استغلال انشغال اللبنانيين بالوضع الداخلي المنتفخ، ليجري أبحاثه العلمية، بعد خرق سفينة تابعة له تحمل علم بنما، سيادة المياه الاقليمية، واجرائها مسحاً شاملاً آملة ان تبني عليه خططاً مستقبلية لاغتصاب النفط اللبناني.

ومن المعروف أنه كان قد تأسس في مطلع العام 2019 "منتدى غاز شرق المتوسط" من كيان العدو ومصر واليونان وقبرص اليونانية والأردن، وتعتبر تركيا أن المنتدى يستھدف مباشرة مصالحھا في المنطقة. وقد عمدت الدول المذكورة إلى عقد اتفاقيات ثنائية أو ثلاثية لترسيم حدود المنطقة البحرية الخالصة بينھا. اعترضت تركيا على ھذا، أولا لأنھا ليست جزءا من الاتفاقيات، فيما ھي بلد له حدود بحرية مع قبرص واليونان وسوريا، وثانيا لأنھا تعترض على احتكار جمھورية قبرص المعترف بھا دوليا للسيادة على كامل الحدود البحرية لقبرص، فيما ھي تتجاھل حقوق منطقة شمال قبرص التركية التي لھا حدود بحرية مباشرة مع تركيا. وحذرت تركيا سفن التنقيب التابعة لقبرص واليونان من التنقيب في المناطق البحرية التابعة لقبرص التركية وجزء من المناطق البحرية التابعة بنظر أنقرة لتركيا. كما اندفعت تركيا إلى إرسال سفن للتنقيب عن النفط والغاز في المناطق البحرية التابعة لھا ولقبرص التركية مثل سفينتي "فاتح" و"ياووز". وقد أثار ذلك رفض وإدانة دول منتدى غاز شرق المتوسط وأوروبا كما الولايات المتحدة، التي طلبت وقف عمليات التنقيب مع التھديد بفرض عقوبات رفضتھا تركيا.

باختصار، إن اتفاق ترسيم حدود المنطقة البحرية الاقتصادية بين تركيا وليبيا ستكون له إنعكاساته المباشرة والقوية لدى كل دول شرق المتوسط ذات الحدود البحرية الممكنة مع تركيا أو ليبيا، وھي اليونان وقبرص اليونانية ومصر.

تركياليبيا

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات