زمن النصر

نقاط على الحروف

فلنذهب إلى موسكو

06/12/2019

فلنذهب إلى موسكو

د.علي مطر*

يمثّل الصراع على مصادر الطاقة حربًا مخفية تؤثر في خريطة العلاقات الدولية، خاصةً في ظل الخوف الذي يعتري الدول من نضوب النفط خلال عقود ليست بالطويلة نتيجة استهلاك مفرط له. هذا الصراع يتمثل بين الشركات العالمية بشكل واضح، ما ينعكس على سياسات الدول، في ظل هيمنة أميركية على الاقتصاد العالمي، ومساع لا تنتهي للسيطرة على النفط العالمي لحفظ إمدادات الطاقة لبلاد العم سام.

تصاعد حدة الصراع على الطاقة

ومن المعلوم أن الإمساك بزمام موارد النفط والغاز الطبيعي، وأنابيبه وممراته، أصبح معياراً أساسياً من معايير القوة الجيوسياسية، خاصةً أن النظام العالمي الجديد الذي تشكل في ظل تراجع الهيمنة الأميركية، لم يأت إلا في سياق التبدل في مقومات القوة الاقتصادية والهيمنة العسكرية التي ترتكز على حجر أساس هو الطاقة بشكل عام. وتحتل منطقة الشرق الأوسط مقدمة الصراع الأكثر حماوةً في آليات التشابك بين المحورين الروسي والأميركي. لذا فمن المتوقع أن يزداد التجاذب في هذه المنطقة من العالم وأن تتصاعد وتتكاثر فيها الأزمات أمام تحولها إلى مسرح للصراع الجيوبولتيكي من أجل السيطرة على مصادر النفط أو الاستفادة من أرباحه الطائلة. وليس بعيداً عن هذا الصراع الحرب التي حصلت في سوريا بما تمتلكه من موقع استراتيجي يطل على البحر المتوسط وبامتلاكها ثروة نفطية واعدة، ما جعل الإدارة الأميركية تسارع للسيطرة على مناطقها الاستراتيجية وآبارها النفطية، وبلا مواربة فإن السبب عينه يعد أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل الروسي يثبت نفوذه في المنطقة.

ما يساعد لبنان على إمكانية الاستفادة من الشركات الروسية الضخمة هو استفادة كل دول العالم بما فيها العربية والأوروبية من هذه الشركات

الأحداث التي مرت بها المنطقة منذ عام 2011 وصولاً إلى يومنا هذا، مع بدء تبدل السلطة في مصر الغنية بالغاز الطبيعي، وصولاً إلى ما حصل في العراق البلد العائم على بحر أسود، مروراً بسوريا الدولة التي تملك موقعاً جيوسياسياً هاماً جداً على كل المستويات، وما يحصل من تنازع في منطقة الخليج ومضيق هرمز في ظل الكباش الإيراني - الأميركي، السعودي - اليمني، فضلاً عن الأحداث الأخيرة في لبنان والعراق عبر "الحراك"، فإن ذلك يدل على أن هذا الاقليم سيشكّل لسنوات قادمة مسرحًا للصراع والتجاذب الجيوسياسي العالمي، وأن دول المنطقة تدور في حلقة من العنف والاهتزازات وبخاصة تلك التي تحتوي إمكانات هائلة من النفط والغاز الطبيعي.

وفي غمرة الصراع يأتي التركيز الغربي على لبنان وسوريا والعراق في هذه المرحلة، حيث تعد هذه الدول البوابة الاسيوية لإمدادات الطاقة، من خلال الخط الذي يمتد من إيران عبر تركمانستان إلى الصين، والخط المقترح، والذي قد يمتد من إيران عبر العراق وسوريا إلى البحر وصولاً إلى لبنان وهو ما يعرف بطريق الحرير، ويحصل ذلك في ذروة التشابك السياسي على الساحة الدولية نتيجة التحول نحو الشرق، والذي يفتح الباب أكثر للتدخّلات الدولية في هذه المنطقة، ما يدعو إلى اتخاذ قرارات سياسية جريئة من قبل دول المنطقة، تساهم في كسر الهيمنة الأميركية، وتحفظ لها ثرواتها وأرباحها التي تحاول إدارة واشنطن السيطرة عليها. وطريق ذلك هو التعاون مع الدولتين الكبريين الصين صاحبة الشركات النفطية التي باتت من الأكثر ربحاً في العالم، وروسيا التي تعد الركن الرئيسي في حرب الطاقة وكسر الهيمنة الأميركية حالياً، خاصةً أنها تملك مخزوناً نفطياً وغازياً كبيراً ولديها شركات ضخمة يمكن أن تساعد البلدان الفقيرة على الانتاج بأكلاف مقبولة وتحمي ثروتها من السوق الأميركية، وما يساعد هذه الدول أن تساهم مجتمعة على الوقوف في وجه العقوبات التي تؤثر بشكل مدمر على صناعة الطاقة العالمية وتستخدمها واشنطن كسلاح سياسي وكأنها بمثابة الاستعمار في مجال الطاقة.

هنا، أصل قضيتنا في التحول نحو الشرق، فهل نذهب إلى موسكو؟

يعد لبنان جزءًا لا يتجزأ من هذا الصراع، سواء شئنا أن نقول ذلك أم لا. لطالما عاش هذا البلد الصغير في ظل صراعات المحاور منذ تأسيسه، ولم يستطع أن ينأى بنفسه كدولة صغيرة، لا تملك مقومات كبرى تجعلها بمنأى عن هذه الصراعات، وهو منذ أن بدأت فئة من سياسييه ترهن قراره كغيرها من الدول العربية إلى الولايات المتحدة الأميركية، أصبح بلداً مأزوماً اقتصادياً تتراكم عليه الديون، ومستضعفاً سياسياً لا يمكنه اتخاذ قرار جريء لحفظ ثرواته، خاصةً في مرحلة بدأت تظهر فيها بوادر ثروته النفطية ما يجعل المساعي الأميركية حثيثة للسيطرة عليها والاستفادة منها ومنع ذهاب أرباحها لأطراف أخرى. ومن هنا تأتي ضرورة التحول نحو روسيا للبدء في استخراج النفط والتخلص من الأعباء الاقتصادية والديون المتراكمة، وهذا ما يمثل قراراً سيادياً يتماشى مع شعارات (حرية – سيادة – استقلال)، لكي لا نعاني ما عانته الدول العربية من السرقة الأميركية الموصوفة لثرواتها.

وما يساعد لبنان على إمكانية الاستفادة من الشركات الروسية الضخمة "كروس نفط" أو "غازبروم"، "ولوك أويل" هو استفادة كل دول العالم بما فيها العربية والأوروبية من هذه الشركات، ومن هذه الدول العربية مصر والإمارات دون أن تتعرض لعقوبات أميركية، خاصةً أن هناك دعوة روسية للبنان في هذا المضمار، إذ يؤكد وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك، عزم روسيا تعزيز تعاونها الاقتصادي والتجاري مع لبنان، بما في ذلك توريد الغاز الطبيعي المسال إلى هذا البلد، مبدياً استعداد بلاده لتوفير إمدادات الطاقة بناء على الطلب. ويوجد اليوم تعاون دولي يمكن البناء عليه في هذه المواجهة، يتمثل في عمل شركة الغاز الروسية "نوفاتيك" في إطار تحالف مع "توتال" و"إيني" على التنقيب عن موارد طاقة في المياه اللبنانية، فضلاً عن أن شركة "روس نفط" أبرمت مطلع العام 2019 اتفاقية مع وزارة الطاقة، تتولى بموجبها إدارة مرفأ لتخزين المنتجات النفطية في ميناء طرابلس في لبنان لمدة 20 عاما.

وبناء على ما تقدم، فإن بوادر الاستفادة اللبنانية من الشركات الروسية كبيرة جداً، وهناك اتفاقات وقعت في هذا الصدد، لكن العبرة تبقى على عاتق الحكومات القادمة لتلتزم جدياً بهذه الاتفاقات، والبدء بتنفيذها وفتح المجال أمام الشركات الروسية لاستخراج النفط والتخلص من هيمنة واشنطن على الاقتصاد اللبناني، فهل نذهب إلى موسكو؟

أكاديمي وباحث في العلاقات الدولية*

روسيا

إقرأ المزيد في: نقاط على الحروف