آل شلهوب

آراء وتحليلات

لضرورة تأسيس الجبهة الشعبية اللبنانية للانقاذ الوطني

27/11/2019

لضرورة تأسيس الجبهة الشعبية اللبنانية للانقاذ الوطني

جورج حداد

من المتعارف عليه أن جميع الأحداث الكبرى في الشرق الأوسط (وآخرها "الربيع العربي" المشؤوم الذي لم تنته فصوله بعد) مرتبطة مباشرة أو غير مباشرة بوجود النفط والغاز.

ومن المرجح أن الدوائر الأميركية كانت، منذ الربع الأخير من القرن الماضي، تعلم بوجود النفط والغاز في شرقي المتوسط، وأن "لبنان الصغير" سيصبح بلدًا منتجًا للطاقة.

لكن من المؤكد أن الدوائر الأميركية بدأت منذ ذلك التاريخ تعد العدة لـ"وضع اليد" كليًا على لبنان بالتعاون مع السعودية و"الاصدقاء" المحليين.
ولهذه الغاية نظمت أميركا والسعودية مؤتمر الطائف سنة 1989، الذي أنهى الحرب اللبنانية، وتمخض عنه اتفاق الطائف الذي استند اليه تعديل الدستور اللبناني، الذي قلص صلاحيات رئيس الجمهورية ووسع صلاحيات رئيس الوزراء.

بعد هذه "الفرشة السياسية" ما هو البرنامج أو خطة العمل التي أرادت الدوائر الأميركية  تطبيقها لأجل "وضع اليد" على لبنان؟

حتى ذلك التاريخ كان الاقتصاد اللبناني يتصف بأنه اقتصاد عشوائي، الا أنه شبه انتاجي. اذ كانت الصناعة تمثل نسبة 10% من الدخل الوطني، والزراعة 30%، والخدمات 60% (وهذه ارقام تقريبية غير دقيقة). وكان العاملون في الصناعة والزراعة والحرفيون الصغار العاملون في قطاع الخدمات يمثلون اكثر من 80% من عدد السكان. وهذا يعني أن أكثرية السكان كان لديهم عمل ومدخول مهما كان متواضعًا. وهذا ما كان يجعل قيادة واخضاع "الشعب العنيد" مهمة صعبة جدًا. وهي مهمة عجز عن تحقيقها الاحتلال الاسرائيلي ذاته. وحتى بشير الجميل الذي جاء الى الرئاسة بدبابة اسرائيلية لم يجرؤ على توقيع صلح فوري مع "اسرائيل". وفي عهد أمين الجميل سقط "اتفاق 17 ايار" للسلام مع "اسرائيل" في المجلس النيابي بصوت نائبين فقط هما: زاهر الخطيب ونجاح واكيم، اللذين عبرا عن ارادة غالبية اللبنانيين. ومن ثم ظهرت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، والمقاومة الاسلامية.

ولأجل اخضاع لبنان، اتجهت الدوائر الأميركية الى تطبيق برنامج ذي شقين:

الشق الأول ـ الحد الأدنى: القضاء على الطابع الانتاجي للاقتصاد اللبناني (مهما كان عشوائيًا) والتحول الى الاقتصاد الريعي القائم على الدورة المالية ـ المالية فيما بين البنوك انفسها، وبينها وبين البورصات والبنوك العالمية، بما يقتضيه ذلك من التخلص من "هموم"  الاقتصاد الانتاجي، والتخلص من فائض السكان بالافقار والتهجير والقتل البطيء بالامراض ونقص وفقدان الدواء وبمنع الزيجات والانجاب، عن طريق الزيادة الكبرى في تكلفة المعيشة وفي ريوع المساكن.

والشق الثاني ـ الحد الأعلى: تفريغ لبنان من غالبية اللبنانيين والاحتفاظ بأقلية صغيرة فقط للخدمات وللضرورات الفولكلورية، وتحويل الارض اللبنانية الى مركز مالي ـ تجاري ـ سياحي ـ ترفيهي عالمي، خاص بالمليارديرية اليهود والخليجيين والاميركيين والاوروبيين، وزعماء المافيات العالمية، ومركز لغسيل الاموال القذرة العالمية عبر شركات "الاوف شور"، ولتزوير العملات، وتهريب وتجارة المخدرات، والمتاجرة بالنساء، والمتاجرة بالاعضاء البشرية.

ومنذ سنة 1992 بدأ تطبيق خطة الحد الأدنى لتحويل الاقتصاد اللبناني الى اقتصاد ريعي. فبدأ بالتدريج خنق الصناعة والزراعة والسياحة وحركة البناء والاسكان من جهة، و"نفخ" القطاع المصرفي من جهة ثانية. وأدى ذلك بطبيعة الحال الى بداية وقوع العجز الكبير في ميزانية الدولة. ثم بدأ تطبيق الخطوة التالية من الخطة، وهي اغراق الدولة في الديون الداخلية والخارجية. ولم تمض بضع سنوات حتى أصبح الدين العام على الدولة أكثر من 50 مليار دولار، وأصبحت خدمة الدين العام ـ أي الفوائد بالليرة وبالدولار، للبنوك العاملة في لبنان والخارج ـ عبئا ثقيلا على كاهل الدولة والشعب اللبناني المظلوم. وصارت "الهندسة المالية" القائمة على الإقراض والاقتراض، داخليا وخارجيا، هي الشغل الشاغل للبنك المركزي اللبناني، وسياسة رسمية للدولة اللبنانية. وأخيرًا بلغ الدين العام اكثر من 100 مليار دولار اميركي. أي أنه اذا كان عدد سكان لبنان 4 ملايين نسمة، صار يتوجب على كل مواطن لبناني (حتى الطفل من لحظة ولادته) "دين عام" بفوائد عالية 25.000 دولار اميركي. اي انه اذا كانت العائلة مؤلفة من 4 اشخاص فعليها دين عام 100.000 دولار اميركي. وللوصول الى هذه "النتيجة المرموقة" لخطة "وضع اليد على لبنان"، جرى استنزاف كامل للاقتصاد اللبناني والشعب اللبناني، ولم يعد بامكان الدولة اللبنانية ان تؤمن حتى خدمة الدين العام الا بأحد أمرين:

أ ـ إما الاذعان المطلق لشروط الدائنين الخارجيين، وأولها ضرب المقاومة، والتنازل عن حقوق لبنان في الغاز والنفط، وغيرها من الشروط التعجيزية.

ب ـ وإما مد اليد الى الصناديق الاجتماعية والدفاعية (صندوق الضمان الاجتماعي، والصحة، والتعليم، وخدمات البنية التحتية، وميزانية الجيش الوطني) والامعان في فرض الضرائب على المستهلك الشعبي.

ولا بد من التأكيد أن الكتلة الطبقية الرأسمالية التي تدعم خطة السير بهذه السياسة المدمرة للبنان كدولة وكشعب، هي الكتلة المالية المصرفية وعلى رأسها البنك المركزي الذي تحول من مؤسسة وظيفية في خدمة الدولة اللبنانية الى اداة تدمير وتخريب للبنان باسره من اجل عصابة من اصحاب البنوك واتباعهم من السياسيين الفاسدين والمباعين.
 
وبالنتيجة وصل لبنان الى النقطة الحرجة التالية:

ـ الدولة تعجز عن فرض ارادة وشروط الدائنين على الشعب اللبناني.
ـ وتعجز في الوقت نفسه عن عدم الاذعان لارادة وشروط الدائنين لانها دولة ـ من أس اساسها ـ لا تمثل لبنان والشعب اللبناني.
وقد جاء الحراك الشعبي الاخير ليجسد ويكشف هذا المأزق للدولة اللبنانية.

ومن الضروري التأكيد أن الكتلة المصرفية اللبنانية تشجع هذا الحراك، اذا لم تكن هي والأدوات الأميركية محركه الأول. ذلك أن الكتلة المصرفية كل ما يهمها هو الحصول على فوائدها العالية من الدين العام، والا فهذه الكتلة مستعدة ان تسلم لبنان الى اميركا والدول الغربية والى اسرائيل والى الشيطان ذاته مقابل الحصول على ارباحها.

وليس الاصرار حتى الان على تمرير لعبة تجهيل قادة الحراك ومحركيه بدون مغزى، حتى لا ينفضح دور السفارة الأميركية وكتلة المصارف وجوقة العملاء في تحريك الحراك واستغلاله من وراء الستار.

إن الأزمة الحالية في لبنان ليست ازمة تشكيل وزارة وتعيين رئيس وزراء أو ما أشبه، إنها ازمة وجودية: يكون لبنان أو لا يكون.
والمقاومة الاسلامية بقيادة حزب الله، التي كان لها اليد الاولى والاقوى في تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي، وفي رد ودحر الخطر الداعشي والتكفيري، كانت قد اختارت المشاركة في مؤسسات الدولة اللبنانية على امل اصلاحها "من الداخل". ومن ضمن هذا المفهوم "الاصلاحي ـ الداخلي" فإن المقاومة تتحمل الان المسؤولية الاولى في انقاذ لبنان من الخطر الوجودي الذي يتهدده.

وهذا يقتضي أن تبادر المقاومة الى دعوة جميع القوى الوطنية والتقدمية الشريفة، المؤيدة للمقاومة، لتأسيس جبهة شعبية لبنانية واسعة للانقاذ الوطني. ويمكن ان تضم هذه الجبهة العتيدة: حزب الله وحركة امل والتيار الوطني الحر وتيار المردة وتيار طلال ارسلان وتيار وئام وهاب والحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي والحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب البعث العربي الاشتراكي وحركة الشعب بقيادة نجاح واكيم ورابطة الشغيلة بقيادة زاهر الخطيب والتروتسكيين وحركة الشبيبة للتغيير وانصار الشهيد مرشد شبو والشهيد علي شعيب والمناضل الأسير جورج ابراهيم عبد الله، وغالبية المجموعات اليسارية والليبيرالية الصغيرة المشاركة في الحراك الحالي، بالاضافة الى ممثلين عن النقابات والاتحادات العمالية والزارعية والمهنية والعديد من الشخصيات الاجتماعية والثقافية المستقلين.

فلتُدعَ هذه الاحزاب والمنظمات والشخصيات، المشاركة وغير المشاركة في الحراك الحالي لعقد مؤتمر وطني عام تنبثق عنه "الجبهة الشعبية اللبنانية للانقاذ الوطني"، التي تتولى طرح "برنامج انقاذ وطني" يشمل كل السياسات الداخلية والخارجية والدفاعية والمالية والاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية والبيئوية.

ولتطرح هذه الجبهة برنامجها الوطني على الرأي العام اللبناني وعلى الدولة اللبنانية، ولتتابع تنفيذه، ولتدعُ لاجل تنفيذه الى مظاهرات ومهرجانات وطنية عامة والى تحركات شعبية مناسبة تبعا لكل حالة.

ولتنتخب هذه الجبهة مجلسا وطنيا مركزيا يتابع تنفيذ برنامجها للانقاذ الوطني، وكذلك لجانا اختصاصية لمتابعة التنفيذ في ما خص كل قطاع وكل مسألة.

ان المخابرات الاميركية والاسرائيلية والكتلة المصرفية وتكتلات "14 اذار" يريدون أن يبقى الحراك يدور ضمن دائرة المجهول، من أجل دفع لبنان الى الفوضى وتخريبه، تمهيدا للسيطرة عليه.

ليتم تأسيس "الجبهة الشعبية اللبنانية"، التي تطرح للتنفيذ "برنامج الانقاذ الوطني" اليوم قبل الغد، ولتقم هذه الجبهة بدور الرقيب الشعبي القوي على اداء الحكومة العتيدة ايا كان شكلها وايا كان رئيسها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب لبناني مستقل

لبنان

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات