آراء وتحليلات

الصورة الواقعية لمشهد العراق الاحتجاجي

12/11/2019

الصورة الواقعية لمشهد العراق الاحتجاجي

بغداد:عادل الجبوري

  في لقاء متلفز، تناول فيه مجمل أبعاد وتداعيات وعوامل الحراك الجماهيري الراهن في الشارع العراقي، أكد الأمين العام لحركة عصائب اهل الحق الشيخ قيس الخزعلي، ان 99% من المشاركين بالمظاهرات هم متظاهرون سلميون خرجوا بمطالب مشروعة، و 1%  منهم فقط هم من المندسين والمخربين والمنفذين لاجندات ومشاريع تخريبية.

   هذه الرؤية التي يبدو أنها مستندة الى حقائق وارقام ومعطيات شبه دقيقة - ان لم تكن دقيقة بالكامل - يمكن أن نجد لها مصاديق وبراهين كثيرة حينما نقرأ بدقة وعمق مشهد العراق الاحتجاجي، سواء في ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد، او في ساحات وميادين في محافظات اخرى، او حتى ابعد واشمل من ذلك.

   مظاهر العنف والتخريب وانتهاك القانون والنظام، التي برزت خلال الايام الاولى للمظاهرات، وأريد لها أن تتسع وتتنامى انحسرت وتقلصت الى حد كبير، في مقابل اتساع نطاق المشاركة العامة في الحراك الجماهيري، التي اشتملت على سلوكيات وممارسات ايجابية، عكست شعورا وطنيا كبيرًا، وحرصًا على صيانة الممتلكات العامة والخاصة، ومستوى عاليًا من التكاتف والتآزر والتعاون. فضلًا عن ذلك فإن الشعارات المطلبية العامة للاغلبية المطلقة السلمية، اختلفت كثيرًا عن الشعارات التحريضية التسقيطية للأقلية الفوضوية.

   منطقيا، فإن من يتظاهر سلميًا، احتجاجًا على الفساد والبطالة وسوء الخدمات والاهمال الحكومي، وتكون له مطالب واضحة، وبسياقات قانونية، لا بد أن يشكل عامل ضغط حقيقي على السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، للتعاطي بصورة أكثر جدية، والعمل على معالجة المشاكل والازمات بأقصى قدر ممكن ومتاح.

   ولعل حزم القرارات والاجراءات الاصلاحية الاربعة التي أصدرتها الحكومة العراقية منذ بدء الحراك الجماهيري مطلع تشرين الاول - اكتوبر الماضي، وكذلك حزمة القوانين التي أقرها مجلس النواب، كانت أحد أبرز مخرجات ذلك الحراك الجماهيري السلمي، والذي من المتوقع والمرتقب أن تكون له مخرجات أخرى خلال الشهور القلائل المقبلة.

    الى جانب ذلك فإن مختلف الفاعليات والشخصيات والقوى السياسية والدينية والاجتماعية، رأت في الحراك الجماهيري السلمي ظاهرة صحيحة، وتحولا وانعطافة مهمة، من شأنها تصحيح المسارات الخاطئة واصلاح مجمل الواقع السلبي الخاطئ.

   وفي الوقت الذي تحدث فيه رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، وكذلك رئيس الجمهورية وشخصيات اخرى، الى جانب ما قالته وأكدته وحثت عليه المرجعية الدينية، عن الابعاد والجوانب الايجابية لحراك الشارع العراقي، فإن الخطوات العملية المتخذة خلال خمسة أسابيع، وإن لم تكن تلبي كل الطموحات، فإنها بلا شك، قد تمثل بداية جيدة الى حد ما، وربما تكون قد ساهمت في امتصاص جزء من غضب وسخط الشارع، وساهمت أيضا في فرز وتشخيص المساحات بقدر معين بين المطالب المشروعة بسياقاتها السلمية، وبين المطالب الفوضوية بأدواتها ووسائلها وشعاراتها التخريبية.

   ولا شك ان ما يمكن رصده بيسر وسهولة، هو المزاج الشعبي العام الرافض للاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة بالحرق والتخريب والتدمير، وكذلك حملات التحريض والتزييف التي تقوم بها بعض وسائل الاعلام المرئية والالكترونية والجهات التي لها أجندات خاصة وربما تكون مرتبطة بأطراف خارجية، ذلك المزاج الشعبي الرافض لمنطق اسقاط والغاء كل شيء، وانما الداعي الى الحفاظ على الدولة والمجتمع وتجنب السير في طريق الفوضى والعنف والتخريب وبالتالي الذهاب نحو الهاوية، في ذات الوقت الذي يطالب فيه بإصلاح وتغيير الواقع بما يكفل تلبية مطالب واحتياجات وحقوق شرائح اجتماعية واسعة، حتى وان أدى ذلك الى حصول تبدل كبير في هياكل ومنظومات وشخوص السلطة. أي أن هناك تمييزًا وفصلًا بين الدولة التي يفترض أن يحرص الجميع على المحافظة عليها، والسلطة الخاضعة للتغيير بما ينسجم مع - ويعكس - رغبات الناس وطموحاتهم وتطلعاتهم.

العراق

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات