نقاط على الحروف

قطع الطرقات كوسيلة احتجاج

10/11/2019

قطع الطرقات كوسيلة احتجاج

ياسر شقير
في نقاش العلاقة بين الأهداف والوسائل ثمة رأيان، رأي يقول بأن الهدف إذا كان شريفاً فلا بد للوسيلة أن تكون على شاكلته ورأي يذهب إلى أنه ليس من الخطأ استخدام وسائل غير شريفة للوصول إلى أهداف شريفة، وهذا الرأي ـ مع ما يعتريه من عيوب ونقائص ـ ينطبق على واقعنا اليوم في لبنان.

منذ أسابيع ويتم اعتماد قطع الطرقات كوسيلة لممارسة الضغط على السلطة والتّعبير عن الغضب وغير ذلك من المبررات، لكن قراءة متأنية في هذا الأسلوب يظهر أنّه وسيلة غير صحيحة ومضرة بالحراك ولا تساعد على الوصول إلى الأهداف التي ينشدها ويسعى إليها.

وبيان ذلك أنّه عدا عن كونه يخالف حقّاً طبيعيّاً ودستوريّاً وقانونيّاً وأخلاقيّاً ودينيّاً؛ فإن هذا الأسلوب يعدّ إضراراً واضحاً بالمواطنين وحياتهم ومعيشتهم ومصالحهم وحقهم بالحصول على لقمة عيشهم ومسّاً واضحاً بكراماتهم ومصادرة لحقهم في التنقل بحريّة ودون إعاقة أو منع من أحد.

وهنا لا بد من طرح السؤال التالي: كيف لمن يثور من أجل الناس أن يعمل على الإضرار بهم وبمصالحهم، وكيف لمن يثور من أجل كرامة المواطن أن يمارس إذلالاً مسيئاً له على الطرقات وفي الشوارع، وكيف لمن يخرج من أجل حقه في حياة كريمة أن يقطع الطّريق على من خرج يطلب له ولعائلته حياة كريمة، وكيف لمن ينادي بحق النّاس بالدّواء والصحّة أن يسد الطرق على المرضى أو يؤخر وصولهم إلى مشافيهم وكيف لمن يهتف باسم الشعب أن يهين النّاس الفقراء والبسطاء الذين يضطرّهم الفقر والعوز والدّاء والدّواء إلى الخروج رغم ما قد يلاقونه من إهانات وإساءات بحقهم.

وكيف لمن ينادي بحقوق النّاس أن يعمل على هدر وقتهم واستنزاف أعصابهم وأموالهم وصحتهم على الطّرقات.

وكيف لمن ثار على الجهل أن يمنع الناس من الذهاب إلى مدارسها وجامعاتها.

وكيف لمن ينكر على أهل السلطة مدّ يدها على المال العام وإهمالها للسّلامة العامة أن يعتدي على الطّرقات العامة ويضر ببنيتها وما قد يؤدي إليه ذلك من تعريض سلامة المواطنين إلى الخطر؛ وكيف لمن يأخذ على السلطة إهمالها للبيئة أن يمارس هذا الإضرار بالبيئة ويسهم في تلويث الهواء.

وكيف لمن يأخذ على أهل السلطة إضرارهم بالاقتصاد الوطني أن يمارس تعطيلاً عاماً ومتمادياً للحياة العامة سوف يُدفع ثمنه في نهاية المطاف من جيب المواطن، أو أقله سيعاني هذا المواطن نفسه أكثر مما يعاني من يحتكر الثروات والأموال.

إن من يخرج باسم الشعب ولأجل الناس لا يعمل على الإضرار بهم ولا يعتدي على حقوقهم ولا يمارس الإهانة لهم ولا يستسيغ إذلالهم ولا يخدش كراماتهم ولا يصادر حرياتهم ولا يغامر بصحتهم ولا يقطع عنهم باب رزقهم ولا يهدر وقتهم ولا يستنزف أموالهم وأعصابهم ولا يحيلهم أسرى في وسائل نقلهم ولا يمارس تسيداً أو تسلطاً أو تعالياً عليهم، إن من يخرج من أجل النّاس ينبغي أن يكون من أكثر الناس شعوراً بهم وتحسّباً لأوجاعهم وحرصاً عليهم وضنّاً بمصالحهم ورحمة بأوضاعهم لا أن يستعير من السلطة بعضاً من أساليبها، وإن على مستوى شارع أو زقاق.

ثم إن من يمتلك قضية يناضل من أجلها، ألا يسعى إلى جمع مجمل الناس تحت قضيته وحشدهم لأجلها، فهل إقفال الطّرقات سوف يؤدّي إلى كسب تأييد النّاس أم سيؤدّي إلى نفورهم من الحراك وما يقوم به؟

وألا يؤدّي هذا الأسلوب إلى إحياء التّوتّرات الطّائفيّة والمذهبيّة والمناطقيّة وغيرها، وإلى تهيئة بيئة مساعدة على توليد الفوضى والمشاكل الفرديّة وغيرها وتغذية الحساسيات على أنواعها وصولاً إلى الإضرار بالسّلم الأهلي وإعادة إنتاج الفتن؟

ألا يوصل هذا الأسلوب رسالة سلبية عن الحراك أنّه إذا كان هؤلاء يمارسون كل هذا الضّرر وهم يتسيدون بعض الطّرقات، فغداَ ماذا سيفعلون إذا تسيّدوا دولة أو بعضاً من مؤسّساتها أو وزاراتها، ألا يؤدّي هذا إلى تشويه صورة الحراك وإلى إضعافه، حيث لن تنفع العديد من المبرّرات، لأن أهل السلطة كانوا قبل وصولهم إليها يفعلون الأمر نفسه ويقولون ما يقوله هؤلاء الآن، حتى إذا وصلوا تبدلت أحوالهم ومقالاتهم، إذ إنّه من الوضوح بمكان أن ما تقوم به قبل وصولك إلى السلطة سوف تقوم به وأزيد بعد وصولك إليها، وما تفعله من موبقات قبل وصولك إليها سوف تفعل أكثر منه بعد وصولك إلى بعض من مواقعها، إن ما تفعله اليوم يحكي عما تفعله غداً، فإن كنت تعتدي على النّاس وحرياتهم ومصالحهم اليوم وأنت خارج السلطة، فسوف تفعل ما هو أكثر منه غداً عندما تصبح داخل هذه السلطة ومن أهلها، ومن يؤمن حقّاً أنّه خرج من أجل دفع الظّلم عن النّاس، فإنّ دليل صدقه أن لا يمارس أي ظلم لهم أو اعتداء عليهم أو انتقاص من حقوقهم أو إضرار بهم أو عدوان على كراماتهم وحرياتهم.

ولذلك لقائل أن يقول إن ما يفعله البعض اليوم في الشارع خارج السّلطة، يكشف عما يفعله غداَ في النّظام داخل السّلطة، وما أنت عليه اليوم يكشف عما ستكون عليه غداً، والنّاس هي الميزان، مصالحها وأوجاعها وآلامها وآمالها وحاضرها ومستقبلها.

ثم إن من ينكر على المسؤولين فسادهم وتخليهم عن واجباتهم كيف يدفع القوى الأمنيّة ذات الصّلة إلى تخلّيها عن واجباتها في حفظ حق المارّة بالمرور دون إذلال أو اعتداء أو إعاقة من أحد، أليس سبب الفساد هو تخلّي المسؤولين عن واجباتهم وعدم عنايتهم بحقوق المواطنين؟ فمن يسعى إلى مواجهة الفساد كيف يرتضي بعضاً من أهم أسبابه أو يشجع عليه عندما يرى أنّه لصالحه؟

ثم أليس من أهم مشاكلنا تضخم الأنا الجماعية لدى هذه الفئة أو تلك الجماعة، بحيث أصبح الجميع ـ بمن فيهم أهل السّلطة ـ يتحدّثون باسم الشّعب كلّ الشعب، وهنا كيف لعشرات أو مئات المواطنين أن يحتكروا اسم الشعب ويصادروا قراره ويعملوا على إقفال الطّرق على الشعب باسم الشعب، وعلى قطع الطّرقات على آلاف وعشرات آلاف المواطنين باسم المواطنين أنفسهم، فهل هذا إلا فعل مصادرة واحتكار لرأي الناس وعدوان عليه، وهل هذا إلا تقليد لخطاب أهل السّلطة، وهل يريد النّاس والمواطنون إقفال الطّرقات على أنفسهم.

فلو كانوا كذلك لما خرجوا بعشرات آلافهم ومئاتها إلى أعمالهم وأرزاقهم فكيف تصادرون قرار النّاس وأنتم تأخذون على أهل السلطة ما تفعلونه أنتم اليوم، وكيف تحتكرون إرادة النّاس وأنتم تعيبون على السّلطة فعلتكم، أليس هذا من أمراض السلطة التي تمارسونها اليوم وأنتم خارجها، فماذا ستفعلون غداً إن أصبحتم داخلها وفي مركبها؟

ثم ألن يتحوّل إقفال الطّرقات وتعطيل البلاد والإضرار بالعباد إلى قاعدة عامة وسنّة قائمة بحيث إنّه كلّما شكت جماعة أو فئة قلّت أو كثرت من أمر ما ـ محقّة كانت أم غير محقّة ـ، سوف تبادر إلى إقفال الطّرقات على جميع النّاس، وسوف يكون لديها من المبرّرات والذّرائع الكثير.

وعندها قد لا يصحّ لأي جهة أمنيّة أو غير أمنيّة أن تعترض على هؤلاء، لأنّه إن كان قطع الطّرقات صحيحاً فليكن للجميع وإن كان خاطئاً فليكن للجميع أيضاً، فهل يمكن أن يقبل بهذا الأمر على مساوئه وأخطاره وأضراره.

أما المبرّرات التي تذكر لقطع الطرقات والعمل على تجميله فهو أسوأ من الفعل نفسه، إذ ما الفرق عندها بينكم وبين من في السلطة الذين يرتكبون الشّائنة ويفعلون القبيحة ولديهم من المبرّرات ما يفوق ما لديكم ومن الذّرائع ما تهزل عنده ذرائعكم.

ولذلك المطلوب هو فتح الطّرقات وعدم إغلاقها، لأنّ هذه الوسيلة لا تشبه أهداف الحراك وليست من طبيعته، الأهداف المشروعة تحتاج إلى وسائل مشروعة، والغايات الشريفة تحتاج إلى أدوات شريفة، وإنّ المطالب المحقّة للحراك من اقتصاديّة واجتماعيّة وإصلاحيّة من أجل النّاس وحقوقها، لا يمكن أن تعتمد إلّا أساليب من طبيعة النّاس وترضى بها وتنسجم مع حقوقها ومصالحها وكراماتها.

إنّ من يريد لهذا الحراك أن ينجح في أهدافه المحقّة، عليه أن يحضر وسائله التي يستخدم في الوسائل المشروعة وهي كثيرة، وهي وسائل قادرة على استقطاب النّاس ورفعهم إلى المشاركة أو التّفاعل الإيجابي وهي تظهر الحراك بمظهر سلمي مدني إنساني وتبدي انطباعاً راقياً عن حقيقته وحقيقة أهدافه؛ أمّا إيذاء السّلطة وإزعاجها، فهو لا يتم من خلال إيذاء النّاس والإضرار بهم وخصوصاً أنّ الذي يقال الآن أنّ السّلطة لا تأبه لمصالح النّاس، فإذا كانت السّلطة كذلك، فكيف يصحّ الضّغط عليها من خلال الإضرار بمصالح النّاس والعدوان عليهم، فهل يستقيم القول ههنا؟

إنّ من الأخطاء القاتلة ـ عدا عن التّسييس أو المذهبيّة... ـ أن يفرغ بعض الحراك نقمته في النّاس وأن يصرف غضبه إليهم، وأن يستعير بعضاً من أساليب السّلطة فيهم، ولو من حيث لا يشعر أو لا يعي، لأن من يخرج باسم النّاس ولهم يجب أن تكون جميع أساليبه وطرق تعبيره من عجين وجعهم وخبز آلامهم وآمالهم وبما يتماهى مع حقوقهم وينسجم مع مصالحهم ويصون كراماتهم، أمّا إذا لم يكن كذلك، فلن يكون من أجل النّاس ولا باسمهم، ولا لمصلحة الحراك وأهدافه.

ولن يكون مقبولاً أن يسعى أحد إلى أن يفرض على النّاس الوسائل التي تفضي إلى تحقيق أهدافهم ونيل حقوقهم، إذ لا يصح أن يعمل على إلغاء دور النّاس باسم النّاس ولا يصح إلغاء حقوق المواطن باسم المواطن نفسه.

إن كان يحقّ للنّاس أن تحكم بما ترى أكثر مما تسمع فلن يكن أمام الحراك إلّا أن يظهر للنّاس وسائل وأساليب وطرق تعبّر عن حقيقة أهدافه وعندها لن يكون منها قطع الطّرقات على النّاس والإضرار بهم والعدوان على حقوقهم وإذلالهم وقطع أرزاقهم والإساءة لهم.

لبنانالطرقات

إقرأ المزيد في: نقاط على الحروف