المولد النبوي الشريف

خاص العهد

الإعلام في ظل "الثورة": أسئلة مهنية مشروعة

01/11/2019

الإعلام في ظل "الثورة": أسئلة مهنية مشروعة

فاطمة ديب حمزة

في الشكل، لم يكن ما حدث في لبنان على مدى أسبوعين عاديًا. اشتعل الشارع غضبًا واحتجاجًا بفعل تراكم السياسات الحكومية، الضرائبية والتفقيرية. زخم الاعتراض وارتفاع صوت الوجع هذه المرة كان عاليًا ومختلفًا. المشاهد المتنقلة بين شارع وشارع، وساحة وأخرى، كانت - لا شك - محط جذب إعلامي وصحافي. فكيف اذا كانت في لبنان، البلد الخاضع لكل أنواع التحكمات من القطاعات الموجودة فيه، والمليء بالتفلتات الإعلامية؟

إنها صورة "تعشقها" الشاشات اللبنانية، حلبة التنافس الإعلامي المفتوحة على كل الاستخدامات والاستعراضات حتى غير المهنية. هنا ملعب الوسائل الإعلامية، وتحديدًا تلك المتحركة بفعل دوافع أبعد من المهنة، وأكبر من الدور.

التغطية مستمرة
 
اذًا، الحدث كان يتطلب تغطية ومواكبة إعلامية غنية. أولًا وجهة الحراك كانت محقة وشعبية وعفوية، وحجم التحرك كان واسعًا وكبيرًا ولافتًا ومتسارعًا. بدأت شاشات MTV و LBC  و ALJADEED  البث. معها حضرت قنوات أخرى كالمنار وNBN  و OTV  أيضًا التي شاركت في التغطية. لكن منذ البداية، كان اهتمام القنوات الثلاثة المذكورة أولاً، أكبر وأكثر حضورًا. تقريبًا، لم يتوقف البث المباشر هناك، من الضاحية إلى مشارفها، فطريق المطار وبيروت وحتى الأطراف الجنوبية والبقاعية والشمالية. شُدت الأنظار إلى الشاشات وصارت هي المتحكمة بالنقل بشكل مستمر. بدأ المراسلون بمهمات استنطاق المتظاهرين بما يشبه التوجيه. أسئلة وجدالات مع المواطنين ومحاولة لصبغ صورة معينة على الحراك وخلق عداوة بينه وبين فئات أخرى. مصطلحات جديدة خلقها المراسلون على الأرض صنّفوا على أساسها الموجودين في الساحات: هؤلاء "حزبيون مرفوضون"، وهؤلاء "مواطنون أحرار". فلماذا فتح الهواء بهذه المساحة المباشرة وبهذا الزخم والكيفية؟ وما هو الحكم المهني على ما شاهدناه على الشاشات طيلة أسبوعين؟

نائب رئيس تحرير جريدة "الأخبار" بيار أبي صعب يختصر لموقع "العهد" مشهد تغطية الإعلام اللبناني للتحركات الشعبية في الشوارع والساحات بـ"الاستعراضي". يقول "كان طبيعيًا أن يشد هذا التحرك الذي انطلق عفويًا الإعلام، لكن ما لم يكن طبيعيًا هو طريقة التغطية وطبيعتها". عفوية التحرك في البداية لم تُترجم على الشاشات، بحسب أبي صعب "لم نشهد استعراضًا للحقائق والخلفيات والنتائج، لم يفعل الإعلام هذا الأمر، تقصّد الاستعراض في فتح الهواء باستمرار، والانتقال من مراسل الى آخر ومن مكان إلى مكان بطريقة استعراضية".

أبي صعب يلفت إلى أمر ما "أنا لا أخوّن الإعلام ولا أضعه في خانة المؤامرة، ولكن بعد ما شهدناه من اهتمام ومواكبة كمًا ونوعًا، لا بد من السؤال: ما هو المبرر لفتح الهواء بشكل متواصل ومستمر على مدار أيام التحرك؟ الأمر في البداية كان مفهومًا، لكن ما تفسير الإصرار على التغطية المتواصلة والتحكم بمسارات التحركات من قبل الشاشات؟".

يجد أبي صعب في حديثه لموقع "العهد" أن "بعض الشاشات والمراسلين والإعلاميين تحولوا الى قادة لهذا الحراك، يتحدثون باسمه، ويتبنون شعاراته ومواقفه، وذلك عبر كلمة سر موحدة تكررها محطات معينة ومعروفة، عبر استخدام ذات العبارات والشعارات والكلام، وبنفس زخم التغطية والحضور والاهتمام".

بدوره مدير الأخبار السابق في قناة "المنار" الإعلامي علي الحاج يوسف، يقول لموقعنا إن "بعض وسائل الاعلام لم تخف توجيهها لعموم الناس الغاضبين وقيادتهم الى المسار الذي تريد". يرى الحاج يوسف أن "الإغراق المشهدي المركز على مشهد صاخب متواصل أفقد المشاهدين والمتابعين القدرة على بناء الموقف أو الاختيار. ما حصل كان طرقًا مستمرًا ليس على العين بل على الوعي في انقضاض يفقده أي مجال للتفكير". ثم يشير الحاج يوسف إلى أن "بعض الاعلام أفلح في محاصرة عقول الناس واقتيادهم مغناطيسيًا نحو طغيان المشهد المحتشد بالصخب المستند الى جاذبية" هايد بارك" مفتوح لكل المستويات والصنوف".

من هذه الاشارات تنطلق الإعلامية في اذاعة النور بثينة عليق والتي واكبت هذه التطورات الاحتجاجية عبر برنامجها اليومي. تقول لموقع "العهد" إن "شاشات ثلاثة أساسية نقلت الحراك (أم تي في، ال بي سي، والجديد) بشكل مستمر ومفتوح وملفت جداً، وطريقة التغطية والمساحة التي خُصصت لنقل الحراك على الهواء، دفعت لطرح علامات استفهام حول الاجندات التي تتبناها هذه المحطات، لأن الأمر لم يكن عاديًا".

بالتالي التغطية لم تكن مجرد تغطية إعلامية ونقل ما يجري في الشارع، وتقديم الحقيقة بحسب علّيق، التي تلفت إلى نقطة مهمة تدخل في مربع الأسئلة الكبير حول دور الإعلام في هذا الحراك، وهي: "كيف يمكن لهذه المحطات التي تعاني من أزمات مالية كبيرة دفعتها لطرد بعض موظفيها، أن تفتح الهواء بشكل كامل ومتواصل ومكلف جدًا جدًا؟ هذا أمر مريب".

التوجيه المريب .. والمهنية الضائعة

الساحات كانت مفتوحة اذًا، والإعلام اللبناني عادة لا يضيع هكذا فرصة. الأحد الأول على "الثورة" صارت الصورة واضحة. التغطية الإعلامية لبعض القنوات الإعلامية والشاشات ليست عفوية، ولا عادية، ولا حتى طبيعية. عناصر عديدة وشواهد كثيرة تؤكد ذلك. فتح الهواء بشكل متواصل، حضور المراسلين بقوة، استخدام الشعارات الموحدة، وتوجيه الحراك باتجاه محدد. لكن مع ذلك، وقع بعض الإعلام في فخ هوائه وتغطيته المنهكة. يشرح الحاج يوسف لموقعنا كيف "خرج بعض الإعلام عن كونه وسيلة لنقل الاحداث والآراء، إلى منصة للتأثير في الأحداث، إن لم يكن إلى حد صناعتها أو حتى فبركتها في عملية من الإغراق المشهدي المتواصل، والقصف المتواصل من الرسائل".

يضيف الحاج يوسف "ربما يعتبر بعض الاعلام أنه حقق ما خطط له ودبر، وأنه حاز على العقول والألباب. لكن ما حصل لا يقل عن عدوان عنيف على عموم الناس واجتياح منازلهم، بهتافات وعبارات نابية تجعل من الشتائم ثقافة عامة وأسلوب تعبير في تجاوز فاضح للمنظومة القيمية والاخلاقية".

وعليه، يضيف أبي صعب لموقعنا إنه "مع مرور الأيام بدأنا نلاحظ ان وسائل الإعلام تقوم بدور لقيادة التحرك إلى مزيد من التصلب والشعارات الفارغة والتفلت والعنف، وفتح الهواء لسبب ومن دونه، بدل أن تقوم بدورها الحقيقي والمفيد حيال الحراك والمحتجين عبر عرض الحقائق والوقائع والتبيان والاستبيان والتحقيق والاستحضار".

ثم يستخلص ابي صعب النتيجة: "عمليا كان الاعلام يستعرض بما يحدث، من دون أن يظهر واقعه، كان ذلك خطيرًا وغير اخلاقي في المهنة". ضاع المسار الطبيعي للدور الإعلامي والمقصود منه، عبر نقل الخفة والتركيز على الارتجال والشتائم والهواء المفتوح".

هنا، تُكمل الإعلامية بثينة عليق رسم صورة التغطية الإعلامية اللافتة للحراك ودوره، فتقول لموقعنا "كان يجب أن لا تكتفي هذه الشاشات ووسائل الإعلام بنقل ما في الشارع على الهواء عبر المراسلين والكاميرات فقط، بل استضافة شخصيات تفسر المشهد وتقدم الحقائق والأبعاد والاسباب والنتائج، لذلك ما حدث هو نقل استعراضي وسبق صحفي ليس أكثر". ثم تسأل علّيق: "ما الجدوى من فتح الهواء خاصة اذا كان المشهد مكررًا، وطرح أسئلة من المراسلين على مواطنين بطريقة استدراجية باتجاهات محددة، وهي اسئلة موجهة وجاهزة الاجابات؟".

ربما هو الدور الجديد أو المستجد للإعلام، بعد أن توسعت وسائله، وتطورت أدواته وتعزز دوره ما بعد الثورات العربية أو ما سمي بالربيع العربي. لكن ما حدث في لبنان لناحية دور الإعلام والإمكانيات والتضخم في الأدوار ورسم مسار الحراك، لا بد من الوقوف عنده ملياً، لكي لا يتحول منبرُ الحقيقة والإصلاح الأول في المجتمع، إلى ما يشبه "طابور إزعاج" ليس إلا.

لبنانمواقع التواصل الاجتماعيالتضليل الإعلامي

إقرأ المزيد في: خاص العهد

التغطية الإخبارية
مقالات مرتبطة