نقاط على الحروف

العدوان التركي.. صراع الوهمين

14/10/2019

العدوان التركي.. صراع الوهمين

إيهاب زكي
في إضاءاتٍ سابقة على سلوك الفصائل الكردية، كتبتُ عليها ألّا يغرها العداء التركي السوري، وعليها أن تكون أكثر حصافةً وتدرك أنّ هذا العداء قد يصل حدّ العظم، لكنه قطعاً ما إن يصل النخاع الكردي سيتحول إلى تحالفٍ مصيري، ومن أباطرة الاستراتيجية في العالم إلى أصغر طفلٍ يلهو على شواطئ السياسة، كانوا يرَونَ ويقولون إنّ الرهان الكردي خاسرٌ قطعاً، إلّا هذه الفصائل التي كانت وما زالت تعمَه في غيابة الوهم، وحتى هذه اللحظة لا يستطيع أحدٌ في العالم القطع بوجود اتفاقيات أو تفاهمات بين الأطراف المعنية بالعدوان التركي، ولكن المراقب من خارج المشهد يستطيع الجزم بوجود ما يمكن تسميته باتفاق "جنتلمان"، حيث يسعى الجميع للاستغلال الأقصى لمقارعة الوهم الكردي بالوهم التركي، فأردوغان يضع قدماً في مركب الناجين والقدم الأخرى في مركب الغارقين، وهو ما يعتقد أنّه يمنحه القدرة على الفوز أينما أتت الرياح وعند اشتهاء أيّ السفينتين، ومن باب التنويه فالجامعة العربية ليست من ضمن الأطراف المعنية، وأنا ليس اختصاصي الأدب السياسيٍ الساخر.

ولكن بمناسبة العرب فإنّ البعض يتهم العروبة بالعنصرية، وبعضهم يتطرفُ اتهاماً للّغة العربية ويضرب المثلات كـ لفظ "عجم"، والكرد - ليس كعرق بل كفصائل انفصالية - تجعل من فرية العنصرية مبرراً للتوجهات الانفصالية، والحقيقة أنّ الأمر ليس على هذه الشاكلة، فهناك مبادئ وطنية ومشتركات جمعية وقضايا مصيرية، والحياد عنها يجعلك عدواً حتى لو كنت يعرب بن قحطان شخصياً، وبما أننا في أجواء العرب وجامعتهم فهي فرصة لتذكير المملكة السعودية أنّ قطر كانت هي الجامعة والجامعة قطر حين اتُّخذ قرار تعليق عضوية سوريا، والتي تبدو اليوم وحيدة ومنبوذة في جامعة السعودية وسعودة الجامعة، حيث تحفظت منفردة مع الصومال على البيان الختامي للجامعة، والسعودية التي استثمرت في المشروع الكردي نكايةً في أردوغان، بعد أن كانت تهدد الجمهورية العربية السورية بسيفه، حيث نذكر صولات الطيران السعودي في تركيا تهديداً وتمهيداً لمهاجمة سوريا، يبدو أنّ السعودية تقتنص الاستثمار الفاشل، أو بالأحرى لا تجيد غيره سياسياً واقتصادياً وإعلامياً.

وبالعودة إلى سياق العدوان التركي فإنّ الأتراك يتحدثون إعلامياً عن منطقةٍ آمنة بعمق 32-40 كم، ولكن اللافت أنّ الدفع التركي في مجلس الأمن كان باتفاقية أضنة، وليس بأي دفوعٍ أخرى تتعلق بتوافقات أو اتفاقاتٍ دولية، وهي الاتفاقية الموقعة بين سوريا وتركيا عام 1989م، والتي تجيز التوغل التركي في الأراضي السورية لمسافة 5كم بالتنسيق مع الحكومة السورية. والدفع بهذه الاتفاقية يستبطن رضوخاً تركياً للشرعية السورية، كما يوحي برغبةٍ تركية في التواصل مع القيادة السورية، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار تصريح أردوغان بالأمس حيث قال في معرض تبريره لرفض الحوار مع الأكراد "هؤلاء لا يعرفون لغة الحوار، فهم رفضوا الحوار مع النظام السوري". ولكن يبدو أنّ سوريا تريد قطاف الثمار دون وخز الشوك، فعلى المستوى الميداني تسقط ثمار الجغرافيا ناضجة في أحضان الدولة السورية، دون تجشم كلفة دموية، فتظل الذاكرة الكردية نظيفةً من "حلبجةٍ" سورية، أمّا سياسياً فقد لوَّح المقداد نائب وزير الخارجية السورية بآثار العدوان التركي على مسار اللجنة الدستورية، وهو تلويحٌ يستبق محاولات الأتراك لاستدرار آثارٍ سياسية، حال نجاحهم في وأد الوهم القسدِّي.

كثيرةٌ هي التحليلات التي تستند للأهواء الشخصية والأمنيات، وأكثر منها ما يروّج لبروباغندا سياسية لأطرافٍ استمرأت العداء لسوريا موقعاً وموقفاً، وكلها تستهدف التوهين والطرق على أوتار اليأس في العقل الجمعي، فالبعض يسترجع انتزاع لواء الإسكندرون، والبعض يُصرّ على أنّ العدوان التركي هو أول مدماكٍ في مشروع التقسيم، وسيل من الهرطقات الفِسقية اللامتناهية، ولكن مشكلة هذه الأفكار أنّها تنطلق من افتراضاتٍ خاطئة، وبالتالي فالنتائج حتماً ضالّة، حيث إنّه ومنذ انعقاد مؤتمر أستانة الأول، كنتُ ولا زلت أقول إنّ أقصى ما يمكن أن يحصل عليه أردوغان هو الانسحاب الآمن، وإنّ سير الأحداث وتسلسلها مذاك الحين لا يؤدي إلّا إلى هذه الحتميّة القطعيّة، فمهما كانت أوهام أردوغان جامحة، فالواقع والوقائع تثخن جموحها، فهو يعاني شرقاً من توترٍ في العلاقات العربية، ويعاني شرقاً من استصغارٍ أوروبي، ويعاني من تذبذبٍ أمريكي، وليس في وارده على الإطلاق استجلاب عداءٍ روسيٍ إيرانيٍ أيضاً، هذا فضلاً عن أنّ موازين الميدان لا تدعم جموحه الواهم على الإطلاق وهو الأهم، حتى لو بإعادة تفعيل داعش المنوّمة، ويبقى السؤال الأهم هو عن الوقت الذي منحه اتفاق"الجنتلمان" لتناطح الوهمين التركي والكردي، وهل الأهمية للوقت أم للنتائج، ومتى سيصبح الوقت ضاغطاً على النتائج. ولكن حتى بالرغم من هذا السؤال الغيبيّ، فالنتائج ستكون في متناول أنامل دمشق.

سورياتركيا

إقرأ المزيد في: نقاط على الحروف

التغطية الإخبارية
مقالات مرتبطة