خاص العهد

قصّة انسانية استثنائية في زمن الحرب السورية

05/10/2019

قصّة انسانية استثنائية في زمن الحرب السورية

محمد عيد

هذه واحدة من قصص الوفاء الإستثنائية التي كان بطلاها صديقان عاشا مرابع الطفولة في قريتهما الوادعة وحين قدر لهما أن يغادراها إلى آفاق الحياة المتشعبة لم يستطيعا أن يفارقا هاجس الصحبة القديمة، فاختارا أن يبقيا متلازمين ولكن في السلك العسكري هذه المرة، أيهم كضابط في الجيش العربي السوري ومضر كمراسل ميداني في الإدارة السياسية لهذا الجيش.

لن نقفز خارج صورة الطفولة

تحت ظلال البنادق وفي غمرة وطيس المعارك كتب لهذه العلاقة التي ابتدأت بصورة قديمة جامعة التقطت لطفلين يتأملان في الأفق أن يشتد عودها بعدما بقيت صامدة على محك تجارب الحياة في تلال "الضيعة"، وكذلك على محك احتمالية الشهادة التي رافقت مسيرهما معًا تحت وابل النيران في معارك حرستا و الغوطة والقلمون الشرقي والغربي، وصولًا إلى ريف حماة الشرقي حيث كانت نهاية المطاف. معارك كان مضر وزميله المصور مجد فيها الموثقان لكل خطوة خطاها صديق عمره أيهم في ركاب الجيش العربي السوري، وفي كل مرة كانا يخرجان فيها من موت محقق كان كل منهما يتفاءل بالآخر وبقوة الطاقة الإيجابية  التي يمنحه إياها إلى أن شاء القدر أن يلعب لعبته.

قصّة انسانية استثنائية في زمن الحرب السورية

آخر المعارك التي اجتمع فيها الصديقان كانت في ريف حماة الشرقي ، كانت عمليات الإقتحام بالنسبة للجيش السوري محفوفة بالكثير من المخاطر مع إصرار تنظيم داعش التكفيري على مجابهة تقدمه بحرب استنزاف في صحراء شاسعة تعطي للمدافعين هامش تحرك واسعا قياسا بضعف خيارات المهاجمين، حينها بدأت فكرة  الشهادة تداعب خواطر النقيب أيهم ، عزز من هذا الشعور لديه فكرة أن مضر وللمرة الأولى في مسيرته الميدانية لن يكون برفقته بعدما صدرت الأوامر إليه بالذهاب إلى ميدان آخر لتغطية قيام الطيران الأمريكي بإلقاء منشورات معادية في محيط قاعدة التنف .

سلام بمثابة الوداع الأخير

 ودع مضر صديقه أيهم بحرارة وذهب على جناح السرعة لتنفيذ مهمته الجديدة دون أن يعلم أنها ستكون المرة الأخيرة التي يراه فيها وماء الحياة يترقرق في وجهه. أنجز مضر مهمته وحاول العودة في اليوم نفسه لكن الوقت كان قد تأخر، فاتصل بأيهم الذي أخبره بأن شعورا يخامره بأنه سيستشهد في اليوم التالي. شد مضر من عزيمة صديقه وأخبره أنه سيحاول الوصول باكرا جدا لمرافقته أثناء العملية، لم يكن يدري كذلك أنها ستكون آخر مرة يسمع فيها صوته. لكن الهجوم كان قد انطلق مع ساعات الفجر الأولى، وحين وصل مضر إلى ساحة المعركة كان الإتصال قد انقطع مع النقيب أيهم وجنوده في مجموعة الإقتحام. مر الزمن ثقيلًا على مضر دون أن يجد خبرًا يبرد النار داخله. حينها أيقن بحدس المقاتل أن أيهم صار في عداد الشهداء فحمل أغراضه الشخصية وقفل عائدا إلى بيت صديق عمره. كانت من المرات النادرة التي يزورهم فيها دون أن يكون أيهم معه "راجع من دون أيهم يا مضر" هزت هذه الكلمات التي انطلقت كالحمم من فم والد أيهم العميد المتقاعد عز الدين خرماشو وجدان مضر الذي كان بمثابة أيهم بالنسبة لهذه العائلة. فوقف في حضرة الموت متوجهًا إلى والده وأمه الثكلى المتجملة بحسن الصبر والتي كان بصيص من الأمل لا يزال يشعرها بأن ابنها قد يكون على قيد الحياة ليعلن أمامهما بأنه سيرجع مجددا إلى الميدان ولن يعود إلا برفقة أيهم سواء كان حيًا أم جثمانًا لشهيد لا يزال مسجى في أرض المعركة.

حين تنفجر ألغام الحواس

كانت أخبار انتصارات الجيش العربي السوري في ريف حماة الشرقي تتوالى. ومع كل بلدة يحررها كان مضر يشعر بأن لقاءه مع صديق عمره يقترب أكثر فأكثر، إلى أن وصل الفتح إلى قرية البرغوثية التي انقطعت فيها أخبار أيهم. دخل مضر القرية فوقع على جثامين شهداء للجيش لم يكن أيهم بينهم. تذكر أن أيهم غالبًا ما يتقدم صفوف رجاله فأدرك أن جثمانه سيكون أبعد من حدود القرية وتحديدًا في حقل الألغام الذي حال الجيش السوري بينه وبين من يريد دخوله للبحث عن حبيب مفقود فيه. ففرق الهندسة كانت مشغولة بتنظيف المدن والقرى المحررة ما استدعى تأخير عملها في البوادي الشاسعة حيث يفترض أن أيهم يرقد هناك بسلام. رفض الحاجز السماح لمضر بدخول حقل الألغام حرصًا على حياته لكن مضر المتحرق للقاء، وبناء على نصيحة زميله المصور مجد، اختار أن يدخل إلى حقل الألغام من مكان آخر لا رقابة للجيش عليه. تقدم مضر أولا ليفاجأ بأن مجد يريد أن يدخل معه إلى حقل الموت "هذه ليست مهمة رسمية ولست ملزما بالدخول معي" هتف مضر بمجد لكن مروءة ووفاء هذا الأخير سرعان ما ألزمت مضر الحجة "هل نسيت أن سيادة الملازم أيهم خرماشوا يوما ما قد عرض حياته للخطر في سبيل إنقاذي حين سقطت على الأرض تحت وابل الرصاص فعاد أدراجه ليحملني إلى الحياة مجددا؟ أنا رجل لا أنسى المعروف". لم يملك مضر حينها إلا الموافقة وكأنما قدر لمجد أن يوثق بكاميرته أصعب موقف سيمر به مضر في حياته.

وكان اللقاء

في حقل مليئ بالألغام الظاهرة منها والمخفية تحت التراب، سار مضر ومجد في رحلة الموت المعلقة بحثًا عن أيهم. اختارا المسير على صخور متصلة ببعضها مفترضين أن "داعش" قد أعدها لعبور عناصره. كانت عيون مضر تجول في المدى الصحراوي الذي ضاق بما رحب وألغام الحواس داخله توشك أن تنفجر به دونا عن ألغام "داعش". إلى أن وقعت عيناه على المشهد الذي انتظره بخوف وقلق لشهور خمسة كانت هي مدة انقطاع الإتصال مع أيهم. كان صديق العمر مسجى على التراب بجثمان كامل ورتب فخر وبطولة لا تزال تشمخ على كتفيه وكأنه قد استشهد لتوه. أهي الدهشة تلك التي ملكت مضر فجمدت الدماء في عروقه قبل أن يهرع لعناق صديقه دون أن ينتبه إلى أن ارهابيي "داعش" زرعوا قنبلة بجانب الجثمان كي ينفجر بمسعفيه لولا أن مجد قد تدخل مجددًا ليمسك مضر عن الموت قرب صديقه. قفز مضر فوق اللغم واحتضن صديق عمره بحنو متأملا في وجهه المضيئ كنجمة والمبتسم برضى من أدى ما عليه قبل أن يحمله على كتفيه في رحلة الإياب من الموت إلى الموت.

قصّة انسانية استثنائية في زمن الحرب السورية

وحين أزفت الشمس للغروب وعلى مسافة كيلومترات ثلاثة داخل حقل الألغام وجد مضر الوقت الكافي ليحدث أيهم عما جرى في هذه الشهور الخمسة بعد استشهاده. كان واثقًا أن أيهم يسمعه فحدثه عن المدن التي حررها الجيش بفضل دمائه ودماء رفاقه الشهداء وعن مفارقة الزمن مجددا حين صادف يوم تحرير جثمانه اليوم الذي أعلن فيه رسميا عن تحرير ريف حماة الشرقي.

في القرية كانت الجموع تنتظر العودة الأخيرة للصديقين معًا إلى ربوعها. وقف والدا أيهم يرقبان من وراء الدمع قصة ابنهما يزفه أخ له من غير صلبهما في موكب مهيب بدا أشبه بالعرس الحقيقي. حينها همس العميد عز الدين خرماشو في سكون مضر "أنت ولدي".
كان الطريق إلى المقبرة آخر رحلة يسلكها الصديقان على دروب الحياة ..  

 

إقرأ المزيد في: خاص العهد