خاص العهد

"العهد" يجول في أنفاق خان شيخون: مدن من الكهوف تحت الأرض

28/09/2019

"العهد" يجول في أنفاق خان شيخون: مدن من الكهوف تحت الأرض

محمد عيد

لم يكن الحديث عن مدن من الأنفاق تحت الأرض في ريف حماة الشمالي ضربًا من الخيال، فهذا واقع واكبناه بأعيننا. ولعل  ما يعطي تحرير مدينة خان شيخون من الإرهابيين صفة الإنجاز الاستثنائي، هو الواقع الميداني الذي أثبت أن هذه المنطقة كانت مجهزة بكل أشكال الدعم اللوجستي والتقني والمادي، حيث كان عبور المدرعات وناقلات الجند والراجمات داخلها يتم بيسر منقطع النظير فيما كانت المقرات وغرف العمليات المتصلة فيما بينها مجهزة لإدارة المعركة فوق الأرض من قبل ضباط الاستخبارات الغربية والعربية المتواجدين داخلها. بيد أن هذا كله تحول بقدرة الجيش السوري إلى مرحلة من الماضي.

"العهد" يجول في أنفاق خان شيخون: مدن من الكهوف تحت الأرض

من سطح الأرض إلى جوفها قلاع محصنة بالكامل

بعدما دان ريف حماة الشمالي لرجال الجيش العربي السوري بكامله ودخل الجيش في الحدود الإدارية لمدينة إدلب من جهة الجنوب، كان بإمكاننا مشاهدة الواقع عن كثب. أشعة الشمس الساطعة التي كانت شاهدة على اندحار الإرهابيين عن هذه المنطقة الإستراتيجية لم تسعفنا ونحن نغادر سطح الأرض إلى جوفها مقتفين أثر إرهابيين أعدوا العدة لمعركة استنزاف طويلة. ناب عنها الشريط الكهربائي الذي أنار النفق دون أن يتمكن من إنارة سبيل الإرهابيين نحو النصر أو الصمود الطويل على أقل تقدير. كادت الرهبة أن تغلبنا ونحن نقف على مفترقات طرق عديدة تحت الأرض. لكن الضابط السوري الذي كان يرافقنا عرف كيف يطمئننا بعدما أبرز أمامنا خارطة معقدة لزواريب الظلام التي وطئناها برفقته وهي خريطة عثر عليها أحد جنودة حين كان يتعقب الإرهابيين داخل النفق نفسه. يقول الضابط عن جنديه الشجاع "كان اقتحامه شجاعا ولكنه لم يخل من الخطورة، نحمد الله أن الخوف قد غلب الإرهابيين فلم تسعفهم شجاعتهم الغائبة في تدمير النفق وإلا فإن خالد -الجندي الذي قام بالاقتحام- كان سيكون في عداد المفقودين أو الشهداء".

"العهد" يجول في أنفاق خان شيخون: مدن من الكهوف تحت الأرض

جيش الرعب السوري يتقدم تحت الأرض

تابعنا مسير الظلام الذي بددت سواده مصابيح مضيئه كان الإرهابيون قد وضعوها في سقفه الترابي. لم يطل بنا المسير حتى عثرنا على المشافي الميدانية المجهزة بكل ما يحتاجه قادة هؤلاء لإدارة المعركة تحت الأرض دون أن تنال منهم غزارة القنابل والصواريخ التي أطلقتها الطائرات الحربية المغيرة. لكن أخبار تقدم الجيش فوق الأرض جعلت جيشا آخر من الرعب يقتحم على الإرهابيين أنفاقهم المحصنة تحت الأرض.

"العهد" يجول في أنفاق خان شيخون: مدن من الكهوف تحت الأرض

تابعنا المسير لنقع على استراحات مجهزة بوسائل الترفيه فضلا عن معدات القتال. كان هنالك مراحيض ومطابخ وأدوات اتصال حديثة للغاية تفضح دور الاستخبارات التركية والغربية والعربية في المعارك، وكانت هنالك فتحة تهوئة بطول سبعة أمتار وقد شقت بعناية مدروسة تماما. فخر المقرات بالنسبة للإرهابيين كان ذلك الذي يربط بين مدينتي خان شيخون ومورك وهو الذي أدار عمليات القتال الأولى بالنسبة للإرهابيين قبل أن يولوا الأدبار.

"العهد" يجول في أنفاق خان شيخون: مدن من الكهوف تحت الأرض

لاحطنا وجود أنفاق طابقية وآخرى يدوية، أما اتساعها فكان مرتبطا بمن سيمر عبرها. فبعض الأنفاق كان يتسع لعبور شخص وأنفاق أخرى كانت تتسع لعبور مئات من الإرهابيين فيما دخلنا إلى أنفاق مرت من خلالها أعداد ضخمة من السيارات والراجمات والدبابات والآليات الثقيلة، والنفق الذي عثر عليه الجيش السوري في وادي العنز بين قريتي الزكاة والأربعين في ريف حماة الشمالي كان واحدا من هذه الأنفاق الشهيرة .

رجال الهندسة الأبطال

الحرفية العالية التي حفرت بها الأنفاق كانت بإشراف مهندسين مختصين صبوا فيها جام خبرتهم التي نمت عن استخدام معايير انشائية متقدمة. مصدر عسكري سوري أكد لموقع "العهد" الإخباري أن "تقدم الجيش وطلائعه المكونة من عناصر الهندسة داخل هذه الأنفاق كان بطيئا للغاية على اعتبار أن المدينة قد حررت فلًا شيئًا يستدعي العجلة والتضحية بأرواح الجنود فضلا عن قيام الإرهابيين المختصين وقبيل انسحابهم بزرع مختلف أنواع الألغام .

"العهد" يجول في أنفاق خان شيخون: مدن من الكهوف تحت الأرض

سألنا الضابط السوري عن المدة الزمنية التي تم خلالها انشاء هذه الألغام فرد على نحو تقديري بأن الأمر احتاج إلى نحو عام تقريبًا، مضيفًا بلهجة آسفة أن الذين قاموا بحفرها وتجهيزها هم الأشخاص الذين كانت تعتقلهم "داعش" وبجهودهم أيضا تم تمديد المياه والطاقة الكهربائية إلى آلاف الأمتار المربعة من هذه الأنفاق .

"العهد" يجول في أنفاق خان شيخون: مدن من الكهوف تحت الأرض

خرجنا من الأنفاق إلى النور مرة أخرى، لم يكن عجبنا قد تبدد بعد ونحن نغادر قلاعا حصينة ومدينة أخرى تحت التراب، حدثنا انفسنا بأن إمكانية الصمود لهؤلاء الإرهابيين كانت متوفرة لو أرادوا لكن إحداث الفارق ارتبط بالإيمان بقضية، فارق كان الميزة التي تحلى بها الجيش العربي السوري وافتقدها خصومه باستثناء البعض ممن انتصر لباطله وهو يعتقد أنه الحق المبين .

 

إقرأ المزيد في: خاص العهد