نقاط على الحروف

سؤالٌ برسم أهل السلطة: ماذا لو حصل الانفجار الاجتماعي؟

21/09/2019

سؤالٌ برسم أهل السلطة: ماذا لو حصل الانفجار الاجتماعي؟

محمد علي جعفر

يسعى الجميع في لبنان اليوم لإنقاذ البلاد مما يصفونه بـ "الانهيار الاقتصادي والمالي المحتّم". وبعيدًا عن النوايا، لا يختلف الأفرقاء اللبنانيون في توصيف المشكلة التي تتعلق بواقع المواطن والدولة، دون أن يعني ذلك أنهم متفقون على الحلول. لكن مقاربة الواقع المعيشي الحالي، تؤكد أن المواطن لم يعد قادرًا على الصمود. لنقل إن المعضلة الأهم من "الانهيار المالي والاقتصادي" المتوقع، هي "الانفجار الاجتماعي" مع ما ترتبط به هذه المعضلة من كونها نتيجة للأزمات التي يعاني منها النظام اللبناني كافة، وما يعنيه ذلك من تبعات.

في سعيها لتأمين موانع أو مؤخرات الانهيار المالي والاقتصادي، تنطلق السلطة الحاكمة من الواقع الموجود. لا حلول جذرية، بل تمضي السلطة الحالية باعتماد العقل التقليدي الموروث للنخب التي حكمت لبنان: "المعالجة للمشكلات وليس للأسباب". قد تنفع هذه العقلية في إدارة المشكلات الطارئة كمُقدمة تمهيدية لمعالجة لاحقة للأسباب، لكنها لا تنفع في ظل دولة مُترهلة ينقصها العديد من مُقومات الدولة، ومع مواطنٍ أجبرته الظروف والأوضاع على تحمل مسؤولية تغييب حقوقه الطبيعية.

وضع إطارٍ سليم لمقاربة مشكلات الواقع الحالي هو بداية الحل ضمن مسار المعالجة

في النقاش الدائر حول الوضع الاقتصادي وموازنة 2020 تغيب الحلول الجذرية كما تغيب التدابير التي تُترجم حالة الطوارئ التي يعترف بها الجميع في البلاد. وهو ما يعني عمليًا غياب منطق الدولة عن المعالجات الظرفية والمستقبلية، وغلبة منطق التفاهمات والتسويات فيما يخص الحلول، هذا ناهيك عن غياب الواقعية في مقاربة الملفات. وهو الأمر التقليدي المُعتاد في لبنان. بالنتيجة لا جديد في النقاش، سوى ما يتعلق بترتيب الأولويات. ولولا وجود بعض التيارات والأحزاب التي تنطلق من واقع المواطن، وتحديدًا حزب الله الذي يعتمد الواقعية السياسية في مقاربته لكافة المواضيع، لما كان المواطن جزءًا من النقاش.

وهنا، فإن وضع إطارٍ سليم لمقاربة مشكلات الواقع الحالي هو بداية الحل ضمن مسار المعالجة. إطارٌ يسعى لتوجيه الجميع نحو التركيز على سلة المشكلات الحقيقية، والتي تتعلق وتتكامل فيما يبنها لتُشكِّل مجموعة التوجهات التي يجب أن تحكم عمل الدولة ككل. هذا ما يجري عادةً في الدول عندما تأخذ قرارًا جديًا بالمعالجة. في لبنان، لم يقتنع العقل الموروث لأهل السلطة، بهكذا مسار. وفي هذه الحالة ما على السلطة إلا أن تنتظر ردات فعل المواطن والتي ستكون حينها مُبررة مع ما يحتويها من غضب.

مؤشراتٌ عديدة كافية ليقتنع المراقب بحجم الكارثة المتوقعة على المجتمع اللبناني، في حال لم تأخذ الدولة إجراءات جدية أكبر من مواساة المواطن وتبدأ بهندسة حلول. فإذا كان البعض يعتبر المشكلة في محاربة الفساد، فلماذا تبقى القوانين المتعلقة بالفساد والتي وُضعت منذ الخمسينيات (في عصر الرئيس الراحل فؤاد شهاب) بعيدة عن التنفيذ؟ ولماذا لا يتم تفعيل العمل لإقرار وتنفيذ قانون الإثراء غير المشروع وقانون حرية الوصول الى المعلومات، وتشكيل الـهيئة العليا لمكافحة الفساد، مع ما يعنيه ذلك من إعادة أموال منهوبة من الشعب هي أكبر بحجمها من أموال مجموعة الدعم الخارجي للبنان؟ اليوم في ظل الوضع المالي والاقتصادي الذي تعيشه البلاد، تتغنى الأطراف السياسية بارتفاع نسبة الاجتماعات لمناقشة ما يدَّعون أنها أزمات مستقبل المواطن، ليُصبح الإنجاز عبارة عن "القدرة العالية للتيارات على التنسيق" وليس "الحلول العملية التي خرجت بها الاجتماعات"!

من جهة أخرى وفيما يتعلق بشلل الدولة ودورها، فرغم امتلاك لبنان لعناصر قادرة على تحقيق التحوُّل نحو الدولة الفاعلة، يغيب دور السلطات رغم الظروف الصعبة. لا سلطة تشريعية تقترح قوانين تواكب هموم المواطن، أو تدفع بشكل فعال لإقرار قوانين غائبة، ولا سلطة تنفيذية تُترجم هذه التشريعات من خلال خطة عمل إجرائية، ولا سلطة قضائية تراقب وتحاسب.

في لبنان أجهزة الدولة غائبة إلا عن الروتين الإداري. بالنتيجة، لبنان عبارة عن دولة، فاقدة لدور السلطات والأجهزة وبالتالي فاقدة للأهلية. وهو ما يعني حكمًا خسارة الدولة لثقة المواطن من جهة ولثقة الخارج من جهة أخرى. وإذا كان الخارج بتنوعه لا يكترث لأزمات الدولة اللبنانية لما يواجهه من تحديات خاصة، فماذا عن المواطن اللبناني؟ وهل تعرف الدولة مخاطر عدم انتقالها من مرحلة توصيف المشكلات الى مرحلة إعلان الطوارئ على صعيد الحلول؟ وهل تتوقع الدولة احتمال الانفجار الاجتماعي؟ وهل تستطيع السلطة أن تتحمل تبعات ذلك من الغضب الشعبي؟ بالإضافة الى ما تقدم، أسئلة برسم الأحزاب والتيارات السياسية: فهل تتحمل الأحزاب والتيارات السياسية هكذا أزمة؟ وهل يمكنها احتواء نتائج ذلك عليها وعلى الوطن؟

لبنان

إقرأ المزيد في: نقاط على الحروف