آراء وتحليلات

إشكالية الحدود بين دور الدولة ودور المقاومة

17/09/2019

إشكالية الحدود بين دور الدولة ودور المقاومة

د.علي حكمت شعيب - أستاذ جامعي

عند كل إنجاز للمقاومة ونصر لها على العدو الصهيوني تنطلق بعض الأقلام من موقع الحسد أو العداء أو الجهل بالظروف البيئية وتغيراتها لتدعو الدولة إلى أن تكون سيدة نفسها في اتخاذ القرار بالحرب أو السلم وتطالب بحصر مهمة الدفاع عنها بجيشها الذي ينبغي إعداده وتجهيزه وتسليحه للقيام بذلك وتحث المسؤولين على مناقشة الاستراتيجية الدفاعية التي برأيهم ستوجد حلًا للإشكالية التي عبر عنها عنوان المقال.

وهم ينطلقون في حركتهم هذه من مفهوم محدد لهم عن الدولة التي يرون فيها منظومة جامعة تتولى مهمة الحماية والأمن وتأمين سبل إشباع حاجات مواطنيها المعنوية والمادية وتتحكم بكل القرارت في هذه الميادين.

وكإجابة على ما تقدم، نورد ما يلي:
 
١ـ إن مفهوم الدولة ليس أمرًا جامدًا لا نستطيع تليينه ليلائم التغيرات البيئية، ويحقق الأمان والأمن وتوفير حاجات الناس في موقف محدد، فقد تقف الدولة ببيروقراطيتها وبعض سياساتها الحاكمة عاجزة عن ذلك. فليس هناك من نظرية واحدة لمنظومة الدولة تصلح في أي زمان ومكان.

٢ـ يجب أن يكون للحركات المقاومة الشعبية دور فاعل في الدفاع عن الناس إن لم تستطع الدولة القيام بذلك، في واقع لا يرتدع فيه العدو ولا يخاف من قرارات دولية لمنظمات عالمية ناظمة وحاكمة في النزاعات الدولية، لأن حليفه وراعيه يمسك بزمام السلطة فيها وينقض أي قرار يقيّد عدوان وبغي وطغيان من هو تحت رعايته وغصبَه لحقوق الآخرين.

٣ـ إن تحمّل المسؤولية الدفاعية من قبل حركات المقاومة التي تعتمد أسلوبًا إبداعيًا يمزج بين الحرب التقليدية وحرب العصابات ويحاول أن يعدّل ويطوّر قواعد الاشتباك مع العدو لحماية الناس من انتقام العدو، وردعه عن استضعافهم وإذلال دولتهم، يجنّب الدولة الردّ القاسي للمعتدي الطاغي والمقتدر الذي سيدمر بناها التحتية ومقوماتها الاقتصادية الحيوية ويؤخر عجلتها التنموية مئات السنوات إلى الوراء.

٤ـ إن المناداة بتوازن استراتيجي مع عدو مقتدر، وفي ظل هذا النظام العالمي لدولة ضعيفة جدًا مقارنة به، يعدّ ضربًا من الأحلام التي لا يستسيغها إلا الحمقى.

٥ـ إن البيئة العالمية والإقليمية التي يتواجد فيها النظام العالمي الحالي يُلزم الدول من أجل تحقيق أهدافها أن تكون تابعة لدول أخرى أكثر منها قوة واقتدارًا في الإقليم، وتلك التي في الإقليم، أن تكون تابعة لدول أخرى مقتدرة بشكل كبير على المستوى العالمي.

وقد شذّ عن القاعدة الجمهورية الإسلامية في إيران التي شقّت طريقها بدمائها وعنفوانها وعزة شعبها المستندة الى منظومة اعتقادية قيمية متينة وهي الإسلام المحمدي الأصيل، وهي الآن دولة إقليمية وتسير بسرعة متنامية لتكون دولة مقتدرة على المستوى العالمي.

٦ـ إن النظام اللبناني القائم على الطائفية السياسية لا ينتج دولة بالمعنى الحقيقي الذي نريده جميعًا لناحية كمال الاقتدار وشمول السيادة لأن الانتماء إليها أضعف من الانتماء للطائفة، الأمر الذي يوقعها في ساحة القصور والتقصير عن القيام بواجباتها الدفاعية مما يضطر الناس إلى رفدها بحركة مقاومة شعبية.

وإلى أن يتحقق لنا في لبنان دولة على مستوى طموحنا جميعًا قد يرجّح البعض الرأي القائل إن النقاش في الاستراتيجية الدفاعية غير مجدٍ لأنه لا يستند الى بنيان مرصوص متماسسك لدولة مقتدرة ذات سيادة.

٧ـ إن التطور النوعي الذي حققته المقاومة للدولة اللبنانية- حيث استطاعت بشكل تدريجي وبمدة زمنية قياسية عبر استراتيجيتها وتكتيكاتها أن توجد توازن رعب مع العدو لتضرب في أرضه في وضح النهار ولا يجرؤ هو على الرد على دولة ضعيفة بنظره - هو أمر في غاية الأهمية تجب دراسته والاقتداء به وتعميمه وتعليمه في المدارس العسكرية.    

أما الآن وفي المدى المتوسط، فعلينا أن نختار إلى أي محور نريد أن ينتمي لبناننا، للمحور الأمريكي السعودي الذي يضم الكيان الصهيوني، أم لمحور المقاومة المتناغم مع الصين وروسيا.

الكلام أننا مستقلون هو مفهوم نسبي ونحن نعلم بأننا محكومون في الكثير من سياساتنا لإملاءات دول يسميها اللبنانيون كبرى وهي لم تعد كذلك كفرنسا وبريطانيا، أما أمريكا فهي سيدتهم وهي تملي علينا الكثير من الأمور وتمنع تسليح الجيش من أي مصدر آخر غيرها وتحرمنا من الكهرباء التي عرضت علينا من دول صديقة كإيران وتؤخر استخراج نفطنا وغازنا وتضع لنا ضوابط لسلوكنا المالي وتعاقب مواطنينا.

يجدر بنا أن نكون واقعيين لا أن نحلق في السماء النظرية عاليًا دون الالتفات الى واقعية الميدان الذي نتحرك فيه.

هل يقتنع العاقل أن أمريكا صاحبة العلاقة العضوية مع "إسرائيل" الغاصبة ستسلّح الجيش اللبناني بأسلحة نوعية تمكنه من ردعها؟ من يصدق ذلك هو إما جاهل أو سفيه العقل.

إن المرء يتفهم موقف البعض من هؤلاء الكتّاب الذين تنقصهم الإحاطة الكلية بالواقع وعوامله المؤثرة وأقدر حرصهم على أن تكون الدولة اللبنانية مقتدرة. لكن الخلاف معهم حول الأسلوب والطريقة التي أراها واقعية ومضمونة النتائج وذلك بالتنسيق وتوزيع الأدوار بين أركان معادلة الجيش والشعب والمقاومة التي أثبتت صدقها وفعاليتها وكفاءتها التجارب الماضية فيما هم يقدمون بدائل أكثر خيالية وأبعد واقعية ذات درجة منخفضة جدًا لناحية كفاءتها وفعاليتها.

 

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

خبر عاجل