خاص العهد

 "إيكوشار"..هل يُنهي قرار الحكومة عقودًا من "سلب" أرزاق المواطنين؟

23/08/2019

 "إيكوشار"..هل يُنهي قرار الحكومة عقودًا من "سلب" أرزاق المواطنين؟

فاطمة سلامة

في جلسة مجلس الوزراء التي عُقدت الخميس، أصرّ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون على ضرورة وضع نهاية لملف "إيكوشار". طالب في مداخلة له بضرورة رفع الظلم عن مالكي عقارات هذا المشروع وتحرير أرزاقهم بعدما وضعت الدولة إشارات استملاك عليها بلا وجه حق. ولمن لا يعلم، فإنّ هذا الملف يحتضن معاناة الكثير من العائلات التي حُجزت أملاكها ولم تُعوّض الدولة عليها قرشاً واحداً. فما قصّة "إيكوشار"؟ وماذا تعني خطوة الحكومة؟. 

يستذكر المهندس المعماري "العتيق" رهيف فياض في حديث لموقع "العهد" الإخباري قصّة المخطط التنظيمي "إيكوشار" الذي سُمي بذلك نسبةً للضابط في الجيش الفرنسي ميشيل إيكوشار الذي أتى الى لبنان أول مرة عام 1943 إبان الحرب العالمية الثانية. مهمّة المبعوث الفرنسي كانت تنظيمية إذ عمل على تنظيم مدينة بيروت، ليس كرمى لعيون بيروت طبعاً، ولكن كان همه الرئيسي تسهيل تنقل القوات الفرنسية الموجودة في لبنان بين بيروت والجنوب والشمال، وفق ما يقول فياض. 

في حينه، كانت اهتمامات "إيكوشار" الرئيسية تأمين تحركات الجيش الفرنسي المحتل. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، استدعي الضابط الفرنسي أكثر من مرة لإعادة تنظيم مدينة بيروت الكبرى. وفي بداية الستينيات، وضع المهندس المعماري إيكوشار مخططاً تنظيمياً لمدينة بيروت، مقترحاً بعض الطرقات والاوتوسترادات، ومقترحاً أن يكون في بيروت الكبرى عدة أقطاب مدينية ونقاط للتوسع تشكل أبواباً لتوسع كل المناطق حولها. 

 

 "إيكوشار"..هل يُنهي قرار الحكومة عقودًا من "سلب" أرزاق المواطنين؟

 

وبهذه الحال، تم ـ وفق فياض ـ اقتراح 4 مواقع رئيسية منظمة علمياً بحيث تعتبر مركزاً للتنمية الرئيسية مقسّمة مناطقياً وطائفياً بين الشيعة، والدروز، والسنة والمسيحيين لإنشاء مؤسسات ومراكز حيوية. وهذه المواقع هي: نهر الموت، الحازمية، الليلكي وخلدة. طرحها إيكوشار من جملة مشروعه الرامي لتنظيم المناطق حول مدينة بيروت على اعتبار أنّ بيروت إدراية منظّمة من نهر بيروت وصولاً الى البحر ومن البحر وصولاً الى السمرلند. ومن هنا ولدت فكرة مشروع الأوتوستراد الدائري الذي يمتد من طبرجا إلى خلدة، مخترقاً أقضية كسروان والمتن الشمالي وبعبدا وعاليه. 

خلاصة الواقع، رسم "إيكوشار" مخطّطه لتنظيم المدينة، فأصدرت الدولة في 27 تشرين الأول/ أكتوبر من العام 1966 المرسوم رقم 5821 الذي قضى باستملاك الأراضي التي وقعت ضمن التخطيط المذكور. بعد هذا الاستملاك جرى وضع إشارات على أملاك الناس. المنطق والقانون كانا يفرضان على الدولة حينها أن تُسارع الى دفع "البدلات" للمواطنين مقابل حقوقهم، لكنها لم تفعل ذلك. جل ما قامت به أن وضعت أيديها على أرزاق الشعب بلا وجه حق، فيما لا تزال أجزاء من المشروع معلّقة حتى الآن.

ماذا تعني خطوة الحكومة بإزالة إشارات الاستملاك عن العقارات المصابة بمشروع "إيكوشار"؟.

عن هذا السؤال يجيب النائب السابق نبيل نقولا ـ وهو الذي تابع الملف من ألفه الى يائه، حيث تقدّم في العام 2005 ومجموعة من زملائه في مجلس النواب باقتراح قانون بناء على طلب الرئيس عون تعطى فيه الدولة مهلة قانونية لتنفيذ الاستملاكات وإلا يتم إلغاء مراسيم تصديق التخطيط. يُعلّق نقولا على الخطوة المستجدة فيعتبرها خطوة إعادة الحق الى أصحابه. فلا يصح أن تصادر الدولة أملاك الناس لأكثر من 60 عاماً ولا تدفع تعويضات ولا تسمح لهم بالتصرف بأملاكهم. هذا الأمر معيب ـ وفق نقولا ـ الذي يأسف للتأخر في الاتيان بالحل بعد أن مات الأب صاحب العقار والأم وربما لم يبق إلا الأحفاد كمالكين. برأيه، شكّل مشروع "إيكوشار" بالعقلية التي تعاطت بها الدولة مع الملف عملية تهجيرية لتترك الناس أرضها ووطنها ربما. 

 

 "إيكوشار"..هل يُنهي قرار الحكومة عقودًا من "سلب" أرزاق المواطنين؟

 

يُشدّد نقولا على ضرورة أن تدفع الدولة "بدلات" للشعب الذي تعرّض لسنوات من المصادرة و"السرقة". وهنا يؤكّد المتحدّث على أنّ ما قام به الرئيس عون يشكّل عملا جباراً يفتح ثغرة في جدار الأزمة لإعادة الحقوق الى أصحابها المظلومين. ويوضح النائب السابق أنّ بعض المشاريع في تخطيط "إيكوشار" نفذت وبعضها الآخر لم ينفّذ ولم يعد صالحاً للتنفيذ، كالاوتوستراد الساحلي من الشويفات الى ضبية. هذا الخط عندما وضع في وقتها لم تكن البيئة المحيطة به بالشكل الموجود الآن. بيئياً، لم يعد صالحاً مطلقاً وتكلفته تبدو عالية جداً حيث سيكبّد الحكومة الآن مليارات الدولارات، إذ يبلغ سعر متر الأرض 5000 دولار ولدينا ما يقارب المليون متر. يُشدّد نقولا على أن الدولة لا تملك المال الكافي لتنفيذ هذا المشروع الذي يمكن الاستعاضة عنه بمشاريع أكثر حيوية ومفيدة للوطن بأكمله كسكك الحديد والقطارات. 

ويوضح نقولا أنّ الاوتوستراد الساحلي من الشويفات الى ضبية يكاد يكون المشروع الوحيد العالق في التخطيط. وفق معلوماته، جرى حل هذه الأزمة في بقية المناطق، بحيث نفّذت بعض المشاريع، وبقي جزء بسيط جداً منها، جرى دفع بدلات استملاكها للناس.
 

إقرأ المزيد في: خاص العهد