Al Ahed News

الحصار الكامل على الدونباس لعرقلة التقارب الروسي ـ الاميركي ضد ’داعش’

نقاط على الحروف

صوفيا ـ جورج حداد


تشهد اوكرانيا الان تصعيدا جديدا في النزاع القائم بين "جمهوريتي" حوض الدونباس: دونيتسك ولوغانسك، وبين السلطة المركزية في كييف.. اذ ارسلت سلطة كييف برئاسة بيوتر بوروشينكو تعزيزات ضخمة من الجيش، بالاضافة الى المجموعات المسلحة اليمينية والفاشية كحزب "القطاع الايمن" و"حزب الحرية".

حصار شامل
وعمدت هذه القوات الى قطع جميع الطرقات والسكك الحديدية المؤدية الى الدونباس ومنعت جميع المواد الغذائية والادوية والمنتجات الزراعية وخطوط المياه والكهرباء، كما منعت جميع اشكال الاستيراد من الدونباس وخصوصا منتوجات مناجم الفحم والمعادن السوداء والملونة وغيرها من المنتوجات المصنعة في الأقاليم الشرقية لأوكرانيا، المتمردة على الحكومة المركزية الانقلابية.

وحسب تقديرات العديد من المحللين، ولا سيما الروس منهم، هناك سببان لهذا التصعيد الخطير من قبل السلطة الانقلابية الاوكرانية:
سيف التأميم

الحدود الاوكرانية الروسية المتنازع عليها

الحدود الاوكرانية الروسية المتنازع عليها

الأول ـ السبب المباشر:
ان المقرات الرئيسية للشركات المالكة لمناجم الفحم والمعادن ولمصانع التعدين توجد في العاصمة كييف، والغالبية الساحقة من الاوليغارشية والمليارديرية مالكي اسهم الشركات يقيمون ايضا في كييف، ومن هناك تجري صفقات التجارة الداخلية والخارجية لمنتوجات الفحم الحجري وخامات ومنتوجات المعادن السوداء والملونة، وتودع الاموال الناتجة عن الصفقات في البنوك في كييف، وتدفع الضرائب للحكومة المركزية في كييف، وترسل الاجور والمعاشات التقاعدية من بنوك كييف الى العمال والمتقاعدين في الدونباس، وهذا ما يجعل الادارات المحلية وحياة جميع عمال المناجم والتعدين، العاملين والمتقاعدين، في الدونباس، تحت رحمة الحكومة الانقلابية وادارات الشركات والاوليغارشية، في كييف.

وقد طلبت قيادة كل من "الجمهوريتين المعلنتين ذاتيا" من جميع شركات الصناعات المنجمية والتعدينية ان تدفع الضرائب المتوجبة عليها الى السلطات المحلية في المناطق التي تعمل فيها، وليس الى كييف، وان تنقل صناديق الاجور والرواتب التقاعدية الى البنوك المحلية كذلك وتوضع تحت تصرف ادارات المؤسسات العاملة والهيئات المحلية المختصة.. ولكن الاوليغارشية مالكي المناجم ومصانع التعدين والصناعات الكبرى الاخرى في الدونباس رفضوا قطعيا دفع الضرائب ونقل صناديق الأجور العمالية والرواتب التقاعدية الى الجمهوريتين "الانفصاليتين".

تجاه هذا الوضع المعقد قررت قيادات الجمهوريتين "الانفصاليتين" وضع اليد على إدارات جميع الشركات التي لا يقيم أصحابها في الجمهوريتين وتدفع الضرائب وتودع صناديقها في كييف، وأنذرت أصحاب الشركات "الغائبين" انه في حال عدم تطبيق القرارات الصادرة عن قيادات الجمهوريتين، فإنه سيصار الى تأميم جميع الشركات المخالفة، وهذا يعني تأميم حصص الافراد وكذلك حصص الحكومة المركزية الاوكرانية في تلك الشركات، وأنه سيجري تقدير التعويضات المناسبة بعد اجراء حسابات كاملة حول ممتلكات الشركات داخل حدود الجمهوريتيين وحساباتها البنكية المركزية في كييف وديونها الخارجية الخ.

وبدلا من ان يكون ذلك حافزا للبحث المعمق في الازمة الانسانية التي تعيشها الجماهير الشعبية، ولا سيما عمال المناجم والجماهير العمالية قاطبة، في الدونباس، اتخذت الحكومة الانقلابية في كييف ذلك حجة للاعلان عن فرض الحصار الشامل على الدونباس، وتم حشد القوات العسكرية النظامية والوحدات المسلحة التابعة للمنظمات الفاشية واليمينية المتطرفة، حول شرق اوكرانيا، والشروع في التصعيد العسكري من جديد، حيث يتم قصف المدن والمناجم والمصانع والاسواق بالمدفعية والصواريخ الثقيلة، وحتى بأسلحة الدمار الشامل على ما تقول جريدة "كومرسانت" الروسية (وهي جريدة يمينية معارضة لبوتين)، ولكنها لم تحدد نوعية تلك الاسلحة.

الرئيس الأوكراني بترو بوروشنكو

الرئيس الأوكراني بترو بوروشنكو

 

اللعب من وراء ظهر ادارة ترامب

السبب الثاني لهذا التصعيد، والذي يُعتبر السبب الرئيس هو سبب خارجي، "اميركي"، ويرتبط خصوصا بالسياسة الاميركية الجديدة في سوريا.. وعلينا هنا ان نستعرض النقاط التالية:

اولاـ في 19 شباط/فبراير 2014 وقعت روسيا، والرئيس الاوكراني الشرعي (اللاجئ الآن في روسيا) يانوكوفيتش، والمعارضة الاوكرانية الموالية للغرب اتفاقا لحل الازمة الاوكرانية يتضمن بنودا عديدة من اهمها: اقتراح تشكيل لجنة ثلاثية تضم: روسيا، الاتحاد الاوروبي، واوكرانيا (ممثلة بجناحيها: انصار يانوكوفيتش، وانصار المعارضة الموالية للغرب)، وان تبحث هذه اللجنة في شروط انضمام اوكرانيا الى الاتحاد الاوروبي، كي يكون هذا الانضمام وسيلة للتقارب والتعاون وتحسين العلاقات بين روسيا والاتحاد الاوروبي واوكرانيا، لا ان تكون اوكرانيا جسرا لتخريب العلاقات الاقتصادية والتجارية والسياسية بين روسيا والاتحاد الاوروبي.

ولكن الادارة الاميركية حينذاك لم تكن راضية عن هذا الاتفاق، لأن سياستها بالاساس كانت تقوم على عرقلة او منع اي تقارب روسي ـ اوروبي، وكانت اميركا تعمل باستمرار لاستمالة من تستطيع من احزاب المعارضة الاوكرانية لتطبيق السياسة الاميركية بمعزل عن حلفائها الاوروبيين، وقد اعترفت المندوبة الاميركية الخاصة الى اوكرانيا فيكتوريا نولاند في احد تصريحاتها الصحفية بأن الازمة الاوكرانية كلفت الاجهزة الاميركية 5 مليارات دولار.

وفور توقيع الاتفاق حول تشكيل اللجنة الثلاثية (الروسية ـ الاوروبية ـ الاوكرانية) عمدت الاحزاب الفاشستية واليمينية المتطرفة في اوكرانيا، والمرتبطة بالاجهزة الاميركية، الى تنظيم الانقلاب الفاشي في 21 شباط/فبراير 2014، واجبرت حكومة يانوكوفيتش على تقديم الاستقالة، واقتحم الانقلابيون البرلمان، واجبروا النواب على التصويت لحكومة برئاسة الكاثوليكي والعميل الاميركي أرسيني ياتسينيوك، وبدأت حملة مطاردة للمواطنين الروس والناطقين باللغة الروسية وقتلهم في الشوارع واحراق بيوتهم، وبدأ فرز الجنود والضباط الاوكرانيين ذوي القومية الروسية، في الجيش والقوات المسلحة الاوكرانية وطردهم الى بيوتهم في القرم وشرق اوروبا، وكان الفاشسست يكمنون للباصات التي تنقل هؤلاء المواطنين في الطرقات خارج كييف ويخرجونهم من الباصات ويجبرونهم على الركوع وشتم روسيا، وحينما يمتنعون كانوا ينهالون عليهم ضربا بعصي البايسبول الغليظة ويحطمون رؤوس بعضهم ويطلقون الرصاص على البعض الاخر، ويبقون على البعض احياء ويطلبون منهم تحميل جثث رفاقهم في الباصات كي يكملوا طريقهم الى القرم والدونباس حيث 70 ـ 80 من السكان هم من الروس والناطقين باللغة الروسية.. فكان الاهالي الذين ينتظرون مجيء الآباء والازواج والابناء يستقبلون جثثهم.

وكان اول قرار اتخذته حكومة ياتسينيوك هو الطلب بسحب الاسطول الروسي الموجود في سيباستوبول إلى البحر الاسود بموجب اتفاق تأجير، واعطى الامر الى الاسطول الاوكراني بتوجيه مدافعه نحو الاسطول الروسي.. وبنتيجة هذه الاحداث، بدأت القرم وكل شرق اوكرانيا ذي الاكثرية السكانية الروسية بالغليان كالمرجل، ورفض بحارة الاسطول الاوكراني (الذين غالبيتهم هم من القومية الروسية ايضا)، ـ رفضوا اوامر كييف وانزلوا الاعلام الاوكرانية عن سفنهم واعلنوا الانضمام الى الاسطول الروسي، بمن في ذلك الاميرال قائد الاسطول الاوكراني الذي اتهمته كييف بالخيانة.
وسارت المظاهرات الشعبية في كل ارجاء القرم والدونباس وتم اقتحام جميع المؤسسات الحكومية وانزال العلم الاوكراني ورفع العلم الروسي مكانه، وتمت محاصرة جميع الثكنات العسكرية فأعلنت غالبية الجنود الاوكرانيين ذوي القومية الروسية الانضمام الى الجماهير الشعبية ونزعوا شاراتهم العسكرية الاوكرانية وخيروا الاقلية من الجنود والضباط ذوي القومية الاوكرانية بين الانضمام اليهم او الذهاب الى بيوتهم في غرب اوكرانيا بألبستهم المدنية وبدون اي سلاح، وقد جرى ابعاد هؤلاء بدون ضربة كف وتم تأمين خروجهم بسلام من شرق اوكرانيا.

وهكذا نجح الانقلاب "الاميركي" في اوكرانيا بمنع تحقيق خطوة التقارب بين روسيا واوروبا، ولكنه حصد فشلا كبيرا في انفصال القرم عن اوكرانيا وعودتها الى روسيا كما كانت قبل عام 1956، بواسطة استفتاء شعبي عام.

وقد طالب الدونباس ايضا بالانضمام الى روسيا، ولكن روسيا لم تقبل بضم الدونباس لانه ارض اوكرانية وان كان غالبية سكانه من الروس.. وحينئذ اعلن الدونباس الانفصال عن اوكرانيا بواسطة الاستفتاء الشعبي ايضا.

الجيش الروسي في منطقة القرم

الجيش الروسي في منطقة القرم

الارادة الشعبية اقوى
ومنذ شباط 2014 حتى اليوم حاول الجيش الاوكراني المستحيل لاقتحام الدونباس ولكنه فشل، لان السلطات الجديدة في الدونباس اعلنت التعبئة العامة وحولتها الى قلعة منيعة، ونشأت خطوط تماس لم يعد بامكان الجيش الاوكراني تجاوزها.. الا انه يقوم باستمرار بقصف مدفعي وصاروخي من بعيد ضد الاهداف المدنية.

والحصار سيفشل حتما
والحصار التام على الدونباس الآن ليس له اي قيمة عسكرية، ويقتصر تأثيره على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والمعيشة لسكان الدونباس، وهو يهدف الى ازعاج روسيا واحراج الجيش الشعبي في الدونباس لدفعهما الى شن هجوم على الجيش الاوكراني لطرده من شرق اوكرانيا.

الاجهزة الاميركية تتفكك
ويقول بعض المراقبين ان هذا العمل الاستفزازي انما يتم بتحريض من بعض الاوساط الاميركية المعادية لادارة ترامب وغير الراضية عن التقارب النسبي في السياسة الروسية ـ الاميركية في سوريا والعراق، بمواجهة تنظيم "داعش" الارهابي.

سيكون الحساب الروسي عسيرا
ولكن روسيا، كما يؤكد هؤلاء المراقبون، لن تنزلق الى هذا الفخ وهي تنصح اصدقاءها في الدونباس بعدم الانزلاق ايضا وشن هجوم عام على الجيش الاوكراني في الظروف الراهنة، ولكن بعد تحرير المناطق التي يسيطر عليها الى الآن "داعش" في سوريا والعراق، وتثبيت الوضع في هذين البلدين، سيأتي دور تصفية الحساب مع المنظمات النازية والانقلابيين في اوكرانيا، على ايدي الجيش الشعبي في الدونباس والجماهير الشعبية الاوكرانية، وسيكون حسابا عسيرا..
ومن المؤكد ان ادارة ترامب ستقف على الاقل على الحياد، ولن تغامر بإغضاب روسيا لاجل حفنة من النازيين الاوكرانيين الذين لا يختلفون بشيء عن الدواعش، وربما تعيد القيادة الروسية النظر في مسألة ضم الدونباس، وربما كل اوكرانيا، الى روسيا، بعد اجراء الاستفتاءات الشعبية الضرورية تحت نظر المراقبين من الامم المتحدة واوروبا واميركا والعالم كله.

روسيااوكرانياداعشالولايات المتحدة الأميركية
إدارة الموقع ليست مسؤولة عن محتوى التعليقات الواردة و لا تعبر عن وجهة نظرها
تعليقات القراء