Al Ahed News

بطاقة تهنئة الى...الله!

من الصحف
بطاقة تهنئة الى...الله!- نبيه البرجي


نبيه البرجي - صحيفة الديار

هذه ثورة ترفع الرأس...

اجل، هذه ثورة ترفع الرؤوس لا تقطع الرؤوس. الوجوه البهية التي اعادت لبهية، وعيون بهية، بهاءها، انتشلتنا جميعا من المقابر، ومن المستودعات، بل ومن المستنقعات ومن الادغال. يالشعب مصر بالصدور العارية، وايضا وايضا بالبطون الخالية، الذي ازال، وبالصرخات التي هزت كل ازمنة العرب، كل امكنة العرب، ثقافة الديناصورات بل وثقافة الفراعنة بل وثقافة الآلهة. الاكثر الاكثر انه ازال ثقافة العبيد...

اي بلاط لم يتزعزع في تلك اللحظة. كم كان ساحراً ريجيس دوبريه حين تحدث عن «قهقهات الله». لقد سقط اولئك الذين نصّبوا انفسهم اولياء على الله، اوصياء على الله، واظهروه كئيباً، متجهماً، قاسياً، مرتهناً، كما لو انهم لم يقرأوا القرآن، ولم يتلمسوا عبقرية القرآن. هل حقا ان احمد فؤاد نجم بعث ببطاقة تهنئة الى...الله.

اجل ثمة شعب في مصر وحرر الله من اسنانهم ومن لحاهم، بل وحررنا جميعا، واخرجنا جميعا من تلك الثلاجة الكبرى، المقبرة الكبرى، لنكتشف انه لا يزال هناك هواء في هذا العالم، وان الشمس لا تزال تشرق، وان نساءنا يصنعن ملابسهن، وقصائدهن، من ضوء القمر لا من عربات الموتى...
هذا هو الزلزال الذي كنا نبحث عنه، وكنا ننتظره. حقا لم نكن نتوقعه بعدما ابتلينا بتلك الجدران الايديولوجية التي اقفلت حتى الافق. وهذه هي الثورة لا تلك التي تتسكع تحت الثريات وبين اقدام القياصرة. الغلابة يثورون. الغلابة يقتلعون كل ديناصورات الارض. انه اليوم العربي الآخر، بل انه الزمن العربي الآخر...
تناهت اليكم تلك الصرخات الجميلة: لن تكون مصر بعد اليوم ضعيفة، واهنة، باهتة، تتسول خبزها من اولئك الحفاة الذين يعتبرون ان اقدامهم مرصعة بالذهب، رؤوسهم مرصعة بالذهب، وهي، في الواقع، مرصعة بالعار و...بالعراء!
مَن مِن الديناصورات يستطيع ان يقول بعد الآن انا هنا، وانا باق حتى آخر الدهر؟ كلهم سيزولون الواحد بعد الآخر لانها مصر، ولان مصر هي «ام الدنيا». بالدرجة الاولى هي ام العرب الذين لم يعودوا، كما كانوا في الامس. حتى حجارة الشطرنج يعتريها الصدأ.برنارد لويس وصفنا بـ«المجتمعات الصدئة»، وكاد يقول اننا مجتمعات من تنك...

لا، ليست الدبابات هي التي صنعت اللحظة الكبرى. الناس هم الذين تولوا هذه المهمة. الدبابات نزلت الى الشوارع كي لا ينفذ «الاخوان المسلمون»خطتهم باغراق الثورة بالدم بعدما لوّح محمد مرسي(العياط) بالدم، دون ان يعني هذا انهم سيغادرون المسرح بهدوء. هددوا بالعمل تحت الارض. الذين مكانهم دائما تحت الارض. ولكن هل لهم، وقد عانت منهم مصر وعانى منهم المصريون الامرّين، ان يوقفوا الزلزال؟

ابداً، ليست بالانقلاب العسكري. العسكر لحقوا بالناس وليس العكس. ولم يستطع اي جنرال ان يقلد جنرالات ايام زمان. مصر لا يمكن ان تكون «جمهورية الموز» ولا «جمهورية الكاكاو»ولا«جمهورية الكافيار». لقد انتظروا طويلاً، وعانوا طويلاً، وتعذبوا كثيراً. والآن: يا مصر...

وليهدد باراك اوباما باعادة النظر بالمساعدات. هل يتذكر بعضكم ما كان رد جمال عبد الناصر على جون فوستر دالاس؟ الرد نفسه الآن. مصر هي التي تهدد، ومصر هي التي تفرض رأيها، ودورها، وسياستها، وان كان واضحا ان المرحلة الشاقة من الثورة قد بدأت الآن، فالانتهازيون والزبائنيون والذين يتقنون هز البطن عند كل مفترق يتربصون للانقضاض على الثورة ولاختراقها. وليعلم الثوار ان من صنع هذه الثورة المقدسة يفترض ان يعمل بقداسة، ولتسقط كل»أنا«صغيرة كانت ام كبيرة لمصلحة مصر، لان السلفيين المدفوعي الاجر يعتبرون انهم هم الورثة الشرعيون لـ«الاخوان المسلمين».

ذات يوم، كتب ميشال ابو جودة عن مصر على انها زعيم من دون شعب وعن سوريا على انها شعب من دون زعيم. الآن في مصر، الشعب هو الزعيم. ولكن بعد ساعة الشعر لا بد ان تدق ساعة النثر، اي بناء سلطة قادرة، بكفاءات عالية وبقامات عالية، اذ ان مصر محمد علي باشا، ومصر جمال عبد الناصر، يجب ان تعود، دون ان يكون هناك مكان للعسكر الا في الثكنات وفي الخنادق، وان كانت التجربة قد اثبتت قوة التماهي بين من يحمل الصرخة ومن يحمل البندقية..

اجل، الثوار يستعيدون مصر من الذين باعوها في المزاد العلني. راجعوا ما حدث منذ الايام الاولى لانور السادات وحتى الايام الاخيرة لمحمد مرسي. الفضيحة تلو الفضيحة، حتى فقدت مصر دورها، وكبرياءها، وتاريخها ومستقبلها.

لكننا نقول لمحمد برادعي الذي هبط بالمظلة(المظلة الاميركية تحديداً) لا تحاول ان تلعب لعبة انور السادات من خلال الاثارة الجوفاء»نحن الفراعنة». ان مصر عربية، عربية، عربية، ولا وجود للعرب، ولا قيمة للعرب، ولا دور للعرب من دون مصر التي ندرك مرارتها عندما كان هناك بين العرب من يذلها او من يحاول اذلالها مقابل حفنة من الدولارات. لا،لا، مصر تستطيع ان تصرخ في وجوههم. سمعناها على الشاشة من احدهم. لن تتسول مصر بعد الآن، ولقد انتهت، والى الابد، ثقافة العبيد...

الثورة لا تتوقف هنا، عند الالعاب النارية وعند صيحات الفرح. الشقاء العظيم الذي صنع هذا الفرح العظيم يحتاج الى ادمغة فذة، وضمائر فذة، ايضا الى احاسيس فذة. بين اولئك الناس الذين غيّروا تاريخ مصر، وتاريخ العرب، الكثيرون الكثيرون الذين يستطيعون ان يكونوا الشعب في قصرالقبة او في قصر الاتحادية...

الآن، الآن...الربيع العربي. لكن قراصنة من الطراز إياه، بل ومن الطراز الاسوأ بالمرصاد!
نبيه البرجيمصرسقوط محمد مرسي