Al Ahed News

’التهريب المُذلّ’ .. من حلب الى انطاكيا وبـ 500$

خاص العهد

محمد كسرواني


لم يرق للعالم يوم رأى بأم عينه "فظائع" الدول الاوروبية عند استقبالها للنازحين السوريين. وقف بأجمعه متعاطفاً يشهد كيف يساقون بين حاجز وآخر دون أي اعتبار لـ "كرامة الإنسان". بكى دموعاً وانتحب على غرقهم، مخلّدًا صورة الطفل أيلان كردي. من يتذكر أولئك اليوم؟ كيف يعيشون، كيف يتنقلون، كيف كان يومهم الأول بعد اجتياز الحدود، وكم دفعوا من أنفسهم وأموالهم؟

يقال إنهم يتقاضون من دول الاستضافة بطاقات تموينية وبونات من البنزين. لكن هل سُئلوا إن كانوا يعيشون بأمان، بكرامة، بعزة! .. ومنهم من دخل اوروبا بحراً وآخرون وصلوا إليها براً، لكن مئات الآلاف منهم لا يزالون "عالقين" في تركيا، فقد رضوا بالذل الذي وصلوا إليه حتى الساعة، إلا أنهم لا يتوقون منه المزيد.

النازحون السوريون

10 أضعاف ازدادت كلفة تهريب الفرد السوري الى تركيا. قبل سنتين كان الأمر لا يحتاج لأكثر من 50$، لترافق عصابات التهريب من قرى محافظة حلب الى انطاكيا التركية. اليوم أقل كلفة لذلك -اذا حالفك الحظ - تتخطى الـ 350$ للفرد الواحد.

السوري ياسر الإبراهيم، الذي دخل الأراضي التركية منذ أشهر يروي لموقع "العهد" الإخباري كيف تمت الصفقة! أولى خطوات "رحلة الموت" إيجاد سيارة أجرة - غالبا ما تكون مرتبطة بالجهات المهربة - تقلّك من قريتك الى بلدة حارم الحدودية.

بعد حارم، إما يحالفك الحظ وإما لا. تشترط العصابات السورية - التركية عليك الموافقة على فاتورتها سلفاً، وتشمل: النقل من حارم الى الحدود، "برطيل" الحرس والضابط، النقل الى موقف داخل الاراضي التركية، ثم إلى انطاكيا.

خريطة الرحلة من حلب الى حارم الى انطاكيا

خريطة الرحلة من حلب الى حارم الى انطاكيا

طبعاً، للفاتورة كلفة محددة، لكنها قد تتغير وفق الظروف. يدفع السوريون كامل المبلغ بعد وصولهم انطاكيا، شرط تأكيدهم للمهربين سلفاً وجوده بحوزتهم. يدّعي المهربون "الشرف" في مهنتهم، لا يقبلون قبض "فلس" قبل وصول الأهالي .. "يا للرحمة!" يقول الإبراهيم.

بعد أن تنزل من سيارة الأجرة تنتقل 150 متراً على قدميك، أو يمكنك استئجار كرسي متحرك يضاف الى فاتورتك. عند الحاجز الحدودي في حارم، ضباطٌ وعناصر. إذا خانك الحظ وكان الضابط حاضراً على التفتيش، فسيضاف إلى فاتورتك تلقائياً 150$ تحت عنوان "هدية الضابط".

بعدها رحلة دافئة الى كراج قرب انطاكيا. هناك تسدد حسابك، قبل آخر انتقال الى داخل المدينة. "جوّ الرحلة هادئ في الغالب"، يقول ياسر الإبراهيم لـ "العهد"، "لكن لن تتنمى ان ترى تبدّله إذا احتججت على الفاتورة او طلبت حسماً"، "يا ويلك من شرهن". هم سعداء رحماء طالما أنت تدفع، أكثر ما يستفزّك عندما يقولون لك "والله بالرسمال عم نحاسبك".

يؤكد الإبراهيم ان اغلب عصابات التهريب على صلة بـ "الجيش الحرّ". تتقاضى منك ارباحاً خيالية رهناً لحياتك. العسكريون الاتراك وضباطهم متواطئون ايضاً. كُلهم يربح من الإتجار بك.

وعند سؤال الإبراهيم إذا كان المهربون يرضون بنقل المؤيدين للنظام، يضحك ويقول "آخر همهن، بس الافضل تضلك ساكت، مين ما سبّوا ادامك، قلن عراسي الشباب". بعد انطاكيا، يجتهد السوريون كلٌ على حدا. منهم من يعمل بمصانع محلية او منتجعات سياحية، ومنهم من يسعى للأفضل.

طفل سوري خلال النزوح بحراً الى اوروبا

يروي ياسر الإبراهيم لـ "العهد" كيف استطاع الوصول الى اسطنبول، حيث يعمل حالياً في محل للأخشاب. عصابة تركية تكفلت بنقله وعائلته وتأمين عمل ومنزل له. "كل شي بثمنوا"، يقول الإبراهيمي، ويضيف "أسهل الامور شراؤك اوراقاً مزورة لتسهيل عملك. فاذا كنت تريد طبابةً او تفادياً للمشاكل مع الاتراك، اشترِ عقد بيت او فاتورة مياه او كهرباء فستحصل بموجبها على اثبات شخصي انك سوري دخلت بطريقة شرعية للبلاد .. وطبعا "العدس بترابو وكل شي بحسابو".

يشرح ياسر الإبراهيم عن حياة السوريين في تركيا. فلكي تكون مطمئناً محمياً من القانون عليك دفع 3 اضعاف المعاملات والاوراق. المهرَبون لا يدفعون مثلنا، لكن في حال تعاركوا مع اي تركي رُحِلوا فوراً و"طار كل شي".

يتندّم الإبراهيم في حديثه لـ "العهد" الى ما وصلت اليه احوال سوريا. يردد على مسامعنا لأكثر من مرة أنهم "على الأقل كنا معززين مكرمين، مش متل هون عايشين بذل!". يتمنى لسوريا العودة الى طبيعتها، فيرجع لبيته وعمله بنجارة الخشب.

قبل ان ننهي المقابلة الخاصة مع ياسر الإبراهيم يطلب منا نشر رسالته للسوريين الذين يتمنون مغادرة بلادهم. يقول "انا جرّبت، احوالنا ليست بأحسن من احوالكم، وقد تكونون بأمانٍ أكثر منا. اقلّها إن متّم ستدفنون في ارضكم وستنتهي الازمة ويقف احباؤكم على اضرحتكم ويقولون ما خرج من ارضه حتى عندما ارسلت كل "كلاب" التكفير ليخرجوه منها. الزموا ارضكم، وهذه نصيحة مجرّب".

تهريبتركياسوريا
إدارة الموقع ليست مسؤولة عن محتوى التعليقات الواردة و لا تعبر عن وجهة نظرها
رمز التأكيد
تعليقات القراء